من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
حسن التخلص
وقد هديت إلى حسن التخلص منغي النسيب بمدحي سيد الأمم
حسن التخلص - هو الموضع الثاني من المواضع الأربعة التي نبه مشايخ البديع على وجوب التأنق فيها، وهو عبارة عن أن ينتقل المتكلم مما ابتدأ به الكلام من غزل، أو نسيب، أو فخر، أو وصف، أو غير ذلك إلى المقصود؛ على وجه سهل برابطة ملائمة؛ وجهة جامعة مقبولة يختلس به المقصود اختلاسا رشيقا، بحيث لا يتفطن السامع للانتقال من المعنى الأول إلا وقد رسخت ألفاظ المعنى الثاني في السمع، وقر معناه في القلب لشدة الالتئام بينهما، وأحسنه ما كان في بيت واحد، وما كان من الغزل إلى المدح، وإنما كان هذا الموضع من المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها، لأن السامع مترقب للانتقال من الافتتاح إلى المقصود كيف يكون، فإذا كان حسنا متلائم الطرفين حرك من نشاط السامع، وأعان على إصغاء ما بعده، وإلا فبالعكس، وقد تقدم الفرق بين التخلص والاستطراد في نوع الاستطراد.
ثم التخلص إنما اعتنى به المولدون ثم المتأخرون فلهجوا به كثيرا لما فيه من البراعة والدلالة على قوة عارضة الشاعر وملكته، وأما المتقدمون من الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين فهو عزيز في كلامهم، نزر الوجود وإن وقع منهم فإنما يقع على سبيل الندرة، ومذهبهم في الانتقال إلى المدح الذي جروا عليه في غالب مدائحهم إنما هو الاقتضاب الآتي بيانه: فمن المخالص الواردة في كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى، وهو من بديع التخلص:
إن البخيل ملوم حيث كان ولكن الجواد على علاته هرم
قال ابن حجة: انظر إلى هذا العربي القديم كيف أحسن التخلص من غير اعتناء في بيت واحد، وهذا هو الغاية القصوى عند المتأخرين الذين اعتوا به، وعلى كل تقدير فمن كلام العرب استنبط كل فن، فإنهم ولاة هذا الشأن، لكنهم كانوا يؤثرون عدم التكلف؛ ولا يرتكبون من فنون البديع إلا ما خلا من التعسف. انتهى.
ومها قول حسان بن ثابت في التخلص من الغزل إلى الحماسة:
قولي لطرفك أن يكف عن الحشاسطوات نيران الهوى ثم اهجري
وانهي جمالك أن ينال مقاتليفينال قومك سطوة من معشري
إني من القوم الذين جيادهمطلعت على كسرى بريح صرصر
غير أن هذا المعنى معيب عند سماسرة الأدب الناسلين إليه من كل حدث فإن المتغزل لا يليق به الافتخار على محبوبته، ولا أخذ الثار منها، فإن دم المحب هدر.
وهذا كما عيب على الفرزدق قوله:
يا أخت ناجية بن سامة إننيأخشى عليك بني إن نذروا دمي
قالوا: ما للمتغزل وذكر الثأر؟.
وقول ربيعة بن مقروم أحد بني ضبة، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، يمدح مسعود بن سالم، وهو حسن التخلص أيضاً:
وجسرة أجد قدمى مناسمهاأعملتها بي حتى تقطع البيدا
كلفتها فرأت حتما تكلفهاظهيرة كأجيج النار صيخودا
في مهمة قذف يخشى الهلاك بهأصداؤه لا تني بالليل تغريدا
لما تشكت إلي الأين قلت لهالا تستريحين ما لم ألق مسعودا
ومن المخالص الواردة في كلام الإسلاميين قول الفرزدق وهو أحسن مخلص سمع لإسلامي:
وركب كأن الريح تطلب عندهملها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفهمإلى شعب الأكوار من كل جانب
إذا آنسوا نارا يقولون ليتهاوقد خصرت أيديهم نار غالب
وقول المغيرة بن حبناء - بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة وبعد النون ألف ممدودة - وهي أمه - على ما في القاموس - لا أبوه كما زعم صاحب الأغاني، والحبناء الضخمة البطن، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، يمدح المهلب بن أبي صفرة:
حال الشجا دون طعم العيش والسهرواعتاد عينك من إدمانها الدرر
واستحقبتك أمور كنت تكرههالو كان ينفع منها النأي والحذر
وفي الموارد للأقوام مهلكةإذا الموارد لم يعلم لها صدر
أمسى العباد بشر لا غياث لهمإلا المهلب بعد الله والمطر
كلاهما طيب ترجى نوافلهمبارك سيبه يرجى وينتظر
ومن محاسن مخالص المولدين قول أبي قابوس الحميري في يحيى البرمكي:
أجدك ما تدرين أن رب ليلةكأن دجاها من قرونك ينشر
لهوت بها حتى تجلت بغرةكغرة يحيى حين يمدح جعفر
وقول مسلم بن الوليد:
يقول صحبي وقد جدوا على عجلوالخيل تستن بالركبان في اللجم
أمغرب الشمس تنوى أن تؤم بنافقلت كلا ولكن مطلع الكرم
قال الصفدي: وهذا في غاية الحسن التي تكبو الفحول دون بلوغها وتعجز الشعراء عن الظفر بمصونها والتحلي بمصوغها.
وقد أخذه أبو تمام فأغار على اللفظ والمعنى، وقال في مخلص قصيدة يمدح بها عبد الله بن طاهر ذي اليمينين الخزاعي:
يقول في قومسٍ صحبي وقد أخذتمنا السرى وخطا المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنافقلت كلا ولكن مطلع الجود
وأخذه أبو إسحاق الغزي أيضاً وسبكه لما قال:
تقول إذا حثثناها وظلتتناجينا بألسنة الكلال
إلى أفق الهلال مسير ركبيفقلنا بل إلى أفق النوال
فأين معالي الشمس ممن يحاول، وأين الثريا من يد المتناول
ومن محاسنها أيضاً قول أبي نواس:
وإذا جلست إلى المدام وشربهافاجعل حديثك كله في الكأس
وإذا نزعت عن الغواية فليكنلله ذاك النزع لا للناس
وإذا أردت مديح قوم لم تمنفي مدحهم فامدح بني العباس
وقوله في مخلص قصيدة يمدح بها الخصيب بن عبد الحميد صاحب الخراج بمصر، أولها:
أجارة بيتينا أبوك غيوروميسور ما يرجى لديك عسير
فإن كنت لا خلما ولا أنت زوجةفلا برحت دوني عليك ستور
وجاورت قوما لا تزاور بينهمولا وصل لا أن يكون نشور
فما أنا بالمشغوف ضربة لازبولا كل سلطان علي قدير
وإني لطرف العين بالعين زاجروقد كدت لا يخفى علي ضمير
يقول: أزجر بعيني عيون الناس فاعلم ما في ضمائرهم. وبعده:
تقول التي من بيتها خف محمليعزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلببلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادرجرت فجرى من جريهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلةإلى بلد فيه الخصيب أمير
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنافأي فتى بعد الخصيب تزور
فتى يشتري حسن الثناء بمالهويعلم أن الدائرات تدور
وهي قصيدة طويلة بليغة أحسن فيها كل الإحسان.
يروى: أنه لما قدم أبو نواس على الخصيب بمصر صادر في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدون مدائح لهم فيه، فلما فرغوا قال الخصيب: ألا تنشدنا أبا علي؟ فقال: أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصى موسى تلقف ما يأفكون. فأنشده هذه القصيدة، فلما فرغ من إنشادها أمر أن يملأ فمه جوهرا.
وفي كتاب آداب الغرباء: أن أبا نواس كان عائدا من الشام إلى بغداد قال: فإني على ظهر فرسي إذ ترتمت بهذه الأبيات (تقول التي من بيتها خف محملي- الأبيات) قال: فسمعت من ورائي شهقة، فالتفت فإذا شيخ عليه أطمار رثة يقود فرسا أعجف، فقال لي: أعد يا أبا نواس هذه الأبيات، فأعدتها، قال: فيمن هذه؟ قلت امتدحت بها الخصيب أمير مصر، قال: ما أرفدك؟ قلت أنه ملأ فمي جوهرا بعته بمائة ألف درهم، قال: أتعرفه؟ قلت: نعم، قال: إني والله الخصيب. فلما عرفته نزلت عن دابتي وقبلت يده ورجله، فقال: لا تفعل. ثم سألته عن سبب تغير أمره فقال لي: قولك (الدائرات تدور). قال: فدفعت إليه جميع ما معي من مركوب ونفقة وثياب، وسألته قبولها، فأبى وقال: والله لا أخذت من يد أرفدتها. ثم ركب دابته وتركني ومضى. انتهى.
ومن محاسن التخلص للمولدين أيضاً قول ابن المعتز:
قايست بين جمالها وفعالهافإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنهاكالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وقول علي بن الجهم:
وليلة كحلت بالنفس مقلتهاألقت قناع الدجى في كل أخدود
قد كاد يغرقني أمواج ظلمتهالولا اقتباسي سنىً من وجه داود
وقوله أيضاً يذكر سحابة:
أتتنا بها ريح الصبا فكأنهافتاة تزجيها عجوز تقودها
فما برحت بغداد حتى تفجرتبأودية ما تستفيق مدودها
فلما قضت حق العراق وأهلهأتاها من الريح الشمال بريدها
فمرت تفوت الطرف سعيا كأنهاجنود عبيد الله ولت بنودها
يريد انصراف عبد الله بن خاقان عن الجعفري إلى سر من رأى عند قتل المتوكل.
وقول ديك الجن وهو من معاصري أبي نواس:
وغرير يقضي بحكمين في الراح بجور وفي الهوى بمحال
للنقا ردفه وللخوط ما حمل لينا وجيده للغزال
فعلت مقلتاه بالصب ما تفعل جدوى يديك بالأموال
وقول أبي تمام: ت
خلق أظل من الربيع كأنهخلق الإمام وهدية المتيسر
وقوله أيضاً:
لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حرب للمكان العالي
وتنظري خبب الركاب ينصهامحي القريض إلى مميت المال
هذه المطابقة في هذا المخلص زادته رونقا وبهجة، وسلكت به من كمال الحسن نهجه.
وقوله يمدح إسحاق بن إبراهيم:
صب الفراق علينا صب من كثبعليه إسحاق يوم الروع منتقما
وقوله:
ودع فؤادك توديع الفراق فماأراه من سفر التوديع منصرفا
يجاهد الشوق طورا ثم يجذبهجهاده للقوافي في أبي دلفا
قوله:
فالأرض معروف السماء قرى لهاوبنو الرجاء لهم بنوا العباس
وقول أبي عبادة البحتري:
كأن سناها بالعشي لصحبهاتبسم عيسى حين يلفظ بالوعد
وأحسن من هذا قول محمد بن وهيب الحميري من قصيدة يمدح بها المأمون:
ما زال يلثمني مراشفهويعلني الإبريق والقدح
حتى استرد الليل خلعتهوفشا خلال سواده وضح
وبدا الصباح كأن غرتهوجه الخليفة حين يمتدح
وقول أبى الطيب المتنبي:
نودعهم والبين فينا كأنهقنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
وقوله أيضاً:
مرت بنا بين تربيها فقلت لهامن أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرىليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا
وقوله أيضاً:
ومقانب بمقانب غادرتهاأقوات وحش كن من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنماأيدي بني عمران في جبهاتها
وقوله أيضاً:
إذا صلت لم أترك مصالا لفاتكوإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وإلا فخانتني القوافي وعاقنيعن ابن عبيد الله ضعف العزائم
وقوله أيضاً:
ولو كنت في أسر غير الهوىضمنت ضمان أبي وائل
فدى نفسه بضمان النضاروأعطى صدور القنا الذابل
وقوله أيضاً:
خليلي إني لا أرى غير شاعرفلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا إن السيوف كثيرةولكن سيف الدولة اليوم واحد
وقوله من قصيدة يمدح بها علي بن أحمد بن عامر الإنطاكي، وتخلص إلى المدح بذكر جده عامر. وغلط ابن حجة إذ قال (يمدح علي بن عامر، ويعرض بذكر أبيه عامر ويمدحه بعد وفاته):
ويوم وصلناه بليل كأنماعلى أفقه من برقه حلل حمر
وليل وصلناه بيوم كأنماعلى متنه من دجنه حلل خضر
وغيث ظننا تحته أن عامراعلا لم يمت أو في السحاب له قبر
أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمديجود به لو لم أجز ويدي صفر
يقول: لو لم أجز هذا الغيث ويدي خالية، لقلت أن الممدوح هو الذي يجود به، ولكن لما جزت ويدي صفر علمت أنه جود لا جود.
وقوله أيضاً:
حدق لاحسان من الغواني هجن لييوم الفراق صبابة وغليلا
حدق يذم من القواتل غيرهابدر بن عمار بن إسماعيلا
يذم، أي يعطي الذمام، بمعنى يجير. يقول: إن الممدوح يجير من كل ما يقتل الناس سوى هذه الأحداق.
وقول السري الرفاء، وهو من معاصري المتنبي:
عصر مزجت شمائلي بشمولهوظلاله ممزوجة بشماله
حتى حسبت الورد من أشجارهيجنى أو الريحان من آصاله
وكأنني لما ارتديت ظلالهجار الوزير المرتدي بظلاله
وقوله من أخرى:
أكني عن البلد الحبيب بغيرهوأرد عنه عنان قلب مائل
وأود لو فعل الحيا بسهولهوحزونه فعل الأمير بآمل
وقوله من أخرى:
وركائب يخرجن من غلس الدجىمثل السهام إذ مرقن مروقا
والفجر مصقول الرداء كأنهجلباب خود أشربته خلوقا
أغمامة بالشام شمن بروقهاأم شمن من شيم الأمير بروقا
وقول أبي الفرج الببغا في الوزير أبي نصر سابور بن أردشير:
لمت الزمان على تأخير مطلبيفقال ما وجه لومي وهو محظور
فقلت لو شئت ما فات الغنى أمليفقال أخطأت بل لو شاء سابور
وقول السلامي من قصيدة فيه:
ما حق هذا الربع إذ فيه الهوىأن يستضام بوقفة المستعجل
كل إن حصرت إلى الدموع سؤالهفالدمع أفصح من سؤال المنزل
يا هذه إن لم يكن لك نائلفعدي وإن لم تجملي فتجملي
جودي وإن لم تحسني فتعلمي الإحسان من كرم الوزير المفضل
وقول أحمد بن المغلس من قصيدة فيه أيضاً:
أبروق تلألأت أم ثغوروليال دجت لنا أم شعور
وغصون تأودت أم قدودحاملات رمانهن الصدور
طالعات من السجوف على الركب بدور أبرزنهن الخدور
مثقلات أردافهن ولكنمرهفات من فوقهن الخصور
مطمعات في وصلهن ودون الوصل إن رمته دماء تمور
عز منهم ما يرام عز جناب يحل فيها لوزير
وقول أبي (عبد الله) الحسين بين حجاج من قصيدة في أبي تغلب وقد توجه من الموصل إلى بغداد أولها:
أفضض الدن واسقني يا نديمياسقني من رحيقه المختوم
اسقني الخمرة التي نزلت فيها على القوم آية التحريم
اسقنيها ولا تكلني إلى النقل عليها ولا إلى المشموم
بادر الصبح بالصبيحة وجهافابنة الكرم شرط كل كريم
ثم قل للشمال من أين يا ريح تحملت روح هذا النسيم
أترى الخضر مر لي فيك أم جزت برضوان في جنان النعيم
أم تقدمت والأمير أبو تغلب قد جد عزمه في القدوم
وقوله من أخرى: ت
ومهاة غريرةغضة الحسن ناهد
فتنتني بمقلةوبكف وساعد
وبثغر منضدشنب الريق بارد
ونسيم كأنه اشتق من نشر صاعد
فهو طيبا كذكرهفي الثنا والمحامد
وأما سائر تخلصاته التي جرى فيها على مذهبه المشهور من السخف والمجون فهو كما قيل: ما شق له فيه غبار، ولا باراه أحد في ذلك إلا وبار. بيناه يهدر سخفا، إذ به قد رفع إلى المديح سجفا، يتصل مديحه بمجونه، اتصال الزهر بغصونه، والحديث بشجونه، ويتحد منه الجد بالهزل؛ اتحاد الذل بالعزل، والجدب بالأزل، غير أننا ننزه هذا الشرح الشريف عن مثل ذلك السخف السخيف.
وأحشم ما نذكر له من ذلك قوله:
فقلت يا سيدتيأحسنت لا فجعت بك
أحسنت يا أوسع منفتوح مولانا الملك
ومن مخالص الشريف الرضي ﵁ قوله:
يؤمل الناس أن يبقوا وما علمواأن الفتى ليد الأقدار مولود
شغلت بالهم حتى لا يفرحنيلولا الخليفة نوروز ولا عيد
وقوله من قصيدة في صديق له:
ولأرحلن العيس مرحلةعوجاء بين القور والوهد
علي ألاقي من أسر بهويقل عند لقائه كدي
وأتوب من ذم الزمان إذاعلقت يداي يدي أبي سعد
وقوله من قصيدة يمدح بها الملك بهاء الدولة، أولها:
أين الغزال الماطلبعدك يا منازل
قد بان حالي سر بهفلم أقام العاطل
من لقتيل الحب لورد عليه القاتل
يجرحه النبل ويهوى أن يعود النابل
وما أحسن قوله منها:
ما ضر ذي الأيام لوأن البياض الناصل
كل حبيب أبداأيامه قلائل
ظل وكم يبقى علىفوديك ظل زائل
ما أحسن تشبيه سواد الشعر بالظل، وما أبدع هذا المعنى وأبرعه، وأحلاه في النفس وأوقعه، وأعجب لهذا المعنى الطويل، في هذا اللفظ القليل، وهذه الغاية التي تكبو دونها الفحول، وترى طوامح الأبصار إليها كأنها حول.
وبعده:
لقد رأى بعارضيك ما يحب العاذل
واسترجعت عنك اللحاظ الخرد العقائل
وأغمدت عنك نصول الأعين القواتل
إلى أن قال:
سقى ليالي الداجون برقة سلاسل
يخلفه على الربى النوار والخمائل
تكسى العواري وتحلى بعده العواطل
كأنما يمطرهملك الملوك العادل
هو الحيا وفي الحيامن جوده شمائل
ومن مخالصه التي ما سبق إليها، ولا زاحمه وارد عليها قوله:
عني إليك فما الوصال بنافعمن لا يعذب قلبه بغرام
ما كنت أسمح بالسلام لمعرضوعلى أمير المؤمنين سلامي
الذي أقوله: أنه طفر من الشطر الأول إلى الثاني طفرة النظام، مع كمال التناسب البديع النظام. فإن المناسبة بين فخره، وبين السلام على أمير المؤمنين، هي الغاية القصوى في هذا العقد الثمين.
ومن مخالص تلميذه مهيار بن مرزويه الكاتب ﵀ من قصيدة يمدح بها زعيم الملك يقول فيها:
رمى كبدي وراح وفي يديهنضوح دمي فقيل هو الجريح
وأرسل لي مع العواد طيفايرى كرما ومرسله شحيح
إلى أن قال وتخلص:
فما لك يا خيال خلاك ذمأتاحك لي على اليأس المتيح
وكيف وبيننا خبتا زرودقربت عليك والبلد الفسيح
أعزم من زعيم الملك تسريبه أم من ندى يده تميح
وقوله من أخرى في عميد الرؤساء أبي طالب بن أيوب:
شأنك يا بن الصبوات فالتمسغيري أخا لست لهن ولدا
مولاك من لا يخلق الشوق لهوجدا ولا طول البعاد كمدا
كان كما يشهد من عفافهعلى المشيب يافعا وأمردا
موقرا متعظا شبابهكأنه كان مشيبا أسودا
تحسبه نزاهة وكرماومجد نفس بابن أيوب اقتدى
وقوله من أخرى يهني فيها نقيب النقباء أبا القاسم بعقد نكاح، أولها:
طرف نجدية وظرف عراقيأي كأس يديرها أي ساق
سنحت والقلوب مطلقة ترعى وغابت وكلها في وثاق
لم تزل تخدع العيون إلى أنعلقت دمعة على كل ماق
ولم يزل مهيار يخدع القلوب برقة هذا التشبيب إلى أن قال:
بين آمالنا ببغداد والنجح مدى بين رمية وفواق
ضمنت حورها لنا العيش والصاحب فيها الكفيل بالأرزاق
وقوله في أخرى في الصاحب أبي القاسم الحسين بن عبد الرحيم، أولها:
دمعي وإن كان دما سائلافما أسوم الدية القاتلا
من حكم الألحاظ قي قلبهدل على مقتله النابلا
سل نافث السحر بنجد متىحول نجد بعدنا بابلا
وناد لمياء سهرنا لها الليل فلم نحرز به طائلا
ديني على فيك فلا تقنعيوهو مليء أن يرى ماطلا
إلى أن قال:
لو جمع الرأي بجمع لنالم نرج من نعلمه باخلا
أو كان في الكرب الحسين انبرتكفاه أو علمك النائلا
وقوله من أخرى في الوزير أبي سعد بن عبد الرحيم:
وكان يضيء لي أملي فأسريفقد أضللت في الليل البهيم
كأني لم أنط بالنجم هميولم أركب إلى العلياء عزيمي
ولم أهتك دجنة كل خطببفجر من بني عبد الرحيم
وقوله من أخرى في المهذب أبي منصور الكاتب، منها:
ولائم ملتفت عن صبوتيينكرها ولو أحب لصبا
إذا نسبت بهواي ساءهمصرحا وإن كنيت غضبا
وما عليه إن غرمت بابلابحاجز وفاطما بزينبا
يلومني لا مات إلا لائماأو عاش عاش بالهوى معذبا
قال عشقت أشيبا يعدهامنقصة نعم عشقت أشيبا
هل شعر بدلته بشعرمبدل بأرب لي أربا
إلى أن قال:
ما أكثر الناس وما أقلهموما أقل في القليل النجبا
ليتهم إذ لم يكونوا خلقوامهذبين صحبوا المهذبا
وقوله من أخرى في الوزير أبي سعد، مطلعها:
لو كان يرفق ظاعن بمشيعردوا فؤادي يوم كاظمة معي
قالوا النوى فخرجت وهو مصاحبيورجعت وهو مع الخليط مودعي
فلأيما من مهجتي تأسفيولأي قليب الغداة تفجعي
ولم يزل مطلقا عنان البيان، في مضمار هذا الإحسان، إلى أن أحرز قصبات السبق بقوله فيها:
إن شاء بعدهم الحيا فلينسكبأو شاء ظل غمامة فليقلع
فمقيل جسمي في ذيول ربوعهمكاف وشربي من فواضل أدمعي
كرمت جفوني في الديار فأخصبتفغنيت أن أرد المياه وأرتعي
فكأن دمعي مد من أيدي بنيعبد الرحيم ومائها المتنبع
وسهرت حتى ما تميز مقلتيفرقان مغرب كوكب من مطلع
فكأن ليلي من تقارب طولهأسيافهم موصولة بالأذرع
وقوله من أخرى في فخر الملك منها:
يخوض الليل سائقهم أنيسابآي لا ح بين يديه نور
وكيف يخاف تيه الليل ركبتطلع من هوادجه البدور
ومنها:
أما من قبلة في الله قالوامتى حلت لشاربها الخمور
إلى أن قال متخلصا:
أرى كبدي وقد بردت قليلاأمات الهم أم عاش السرور
أم الأيام خافتني لأنيبفخر الملك منها مستجير
وقوله من أخرى في سند الدولة أبي الحسن بن مزيد، مطلعها:
هب من زمانك بعض الجد للعبواهجر إلى راحة شيئا من التعب
ومشى على ذلك سائرا في رياض المقال، إلى أن اقتطف منها أنضر زهر فقال:
ترى نداماي ما بين الرصافة فالبيضاء رواين من خمر ومن ضرب
أو عالمينوقد بدلت بعدهم
ما دار أنسي وما كاسي وما نخبي
فارقتهم وكأني ذاكرا لهمنضو تلاقت عليه عصتا قتب
سقى رضاي عن الأيام بينهمغيث وبان عليها بعدهم غضبي
إذ نسكب الماء بغضا للمزاج بهونطعم الشهد إبقاء على العنب
يمشي السقاة علينا بين منتظربلوغ كأس ووثاب فمستلب
كأنما قولنا للبابلي أدرحلاوة قولنا للمزيدي هب
ولنمسك هنا عنان اليراعة، فقد طال مجالها في مضمار هذه البراعة ومحاسن مهيار لا تنتهي حتى ينتهي عنها. وما محاسن شيء كله حسن.
وممن جاء في حسن التخلص بالبديع المطرب، أبو القاسم محمد بن هاني متنبي المغرب، فإنه سبق في ذلك إلى غاية يقصر دون مداها سوابق الأفكار، وافتض منه أبكار معان هي ألذ من افتضاض عواتق الإبكار.
فمن ذلك قوله من قصيدة يمدح بها أبا تميم المعز لدين الله، مطلعها:
ألا طرقتنا والنجوم ركودوفي الحي أيقاض ونحن هجود
وقد أعجل الفجر الملمع خطوهاوفي أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلا غضبى على الدر وحدهفلم يدر نحر ما دهاه وجيد
فما برحت إلا ومن سلك أدمعيقلائد في لباتها وعقود
إلى أن قال سائرا إلى التخلص:
ألم يأتها أنا كبرنا عن الصباوأنا بلينا والزمان جديد
فليت مشيبا لا يزال ولم أقلبكاظمة ليت الشباب يعود
ولم أر مثلي ما له من تجلدولا كجفوني ما لهن جمود
ولا كالليالي ما لهن مواثقولا كالغواني ما لهن عهود
ولا كالمعز ابن النبي خليفةله الله بالفضل المبين شهيد
وقوله من أخرى فيه أيضاً مطلعها:
أرياك أم ردع من المسك صائكولحظك أم حد من السيف باتك
وأعطاف نشوى أم قوام مهفهفتأود غصنفيه وارتجَّ عانك
وما شق جيب الحسن إلا شقائقبخديك مفتوك بهن فواتك
أرى بينها للعاشقين مصارعافقد ضرجتهن الدماء السوافك
ولم يزل يذلل صعاب هذه القوافي، ويرد منها النمير الصافي، إلى أن قال:
ألم تريا الروض الأريض كأنماأسرة نور الشمس فيه سبائك
كأن الشقيق الغض يكحل أعيناويسفك في لباته الدم سافك
وما تطلع الدنيا شموسا تريكهاولا للرياض الزهر أيد حوائك
ولكنما ضاحكننا عن محاسنحكتهن أيام المعز الضواحك
وقوله من قصيدة يمدح بها جعفر بن علي، مطلعها:
هل آجل مما أؤمل عاجلأرجو زمانا والزمان حلاحل
وأعز مفقود شباب عائدمن بعدها ولى وإلف واصل
ما أحسن الدنيا بشمل جامعلكنها أم البنين الثاكل
في كل يوم استزيد تجارباكم عالم بالشي وهو يسائل
ومنها:
يا دار أشبهت المهافيك المهاوالسرب إلا أنهن مطافل
نضحت جوانحك الرياح بلؤلؤللطل فيه ردع مسك جائل
وغدت بجيب فيك مشقوق لهانفس تردده ودمع هاطل
ولم يزل ينظم هذه الدرر، وينشر هذه الحبر، إلى أن أتى ببديع التخلص فقال:
بعدا لليلات أفلن بنا ولابعدت ليال بالغميم قلائل
إذ عيشنا في مثل دولة جعفروالعدل فينا ضاحك والنائل
وقوله من أخرى فيه أيضاً:
كأن لواء الصبح غرة جعفررأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا
وقوله من أخرى يمدح المعز، أولها:
ألؤلؤ دمع هذا الغيث أم نقطما كان أحسنه لو كان يلتقط
بين السحاب وبين الريح ملحمةقعاقع وظبى في الجو تخترط
كأنه ساخط يرضى على عجلفما يدوم رضى منه ولا سخط
أهدى الربيع إلينا روضة أنفاكما تنفس عن كافوره السفط
غمائم في نواحي الجو عاكفةجعد تحدر عنها وابل سبط
كأن تهتانها في كل ناحيةمد من البحر يعلو ثم ينهبط
والبرق يظهر في لألاء غرتهقاض من المزن في أحكامه شطط
وللجديدين من طول ومن قصرحبلان منقبض عنا ومنبسط
والأرض تبسط في خد الثرى ورقاكما تنشر في حافاتها البسط
والريح تبعث أنفاسا معطرةمثل العبير بماء الورد يختلط
كأنما هي أخلاق المعز سرتلا شبهة للورى فيها ولا غلط
وقوله من أخرى فيه أيضاً، وهي من رقيق شعره، مطلعها:
قمن في مأتم على العشاقولبسن الحداد في الأحداق
ومنحن الفراق رقة شكواهن حتى عشقت يوم الفراق
وما أحسن قوله منها:
رب يوم لنا رقيق حواشي اللهو حسنا جوال عقد النطاق
قد لبسناه وهو من نفحات المسك ردع الجيوب ردع التراقي
والأباريق كالظباء اللواتيأوجست نبأة الجياد العتاق
مصغيات إلى الغناء مطلات عليه كثيرة الإطراق
وهي شم الأنوف يشمخن كبراثم يرعفن بالدم المهراق
وما زال جانيا من رياض الافتنان، زهرات هذه المعاني والبيان، حتى قال وأبدع في المقال:
لا تسلني عن الليالي الخواليوأجرني من الليالي البواقي
ضربت بيننا بأبعد ممابين راجي المعز والإملاق
هذا المخلص مما تتقاصر عند سماعه همم فرسان هذا الميدان، علما منهم بأن اللحاق به كاد أن لا يكون في حيز الإمكان. وقد تقرر أن أحسن التخلص ما كان في بيت واحد، يثب فيه الشاعر من شطره الأول إلى الثاني وثبة تدل على قدرته، وتمكنه، وانفساح خطوته في مقاصده وتفننه، ولعمري إن هذه الوثبة في هذا البيت مما لا تنفسح إلى مثلها خطى كل شاعر ولا يحدث نفسه بها إلا مصاقع القالة من غلب الشعراء المساعر.
ومثل ذلك قوله أيضاً بل هو أوفى منه لكونه من الغزل إلى المدح، وقد نبهو على أن أحسن التخلص ما كان كذلك.
وهو من قصيدة يمدح بها يحيى بن علي الأندلسي، مطلعها:
فتكات طرفك أم سيوف أبيكوكؤوس خمر أم مراشف فيك
أجلاد مرهفة وفتك محاجرما أنت راحمة ولا أهلوك
يا بنت ذي السيف الطويل نجادهأكذا يجوز الحكم في ناديك
قد كان يدعوني خيالك طارقاحتى دعاني بالقنا داعيك
عيناك أم مغناك موعدنا وفيوادي الكرى ألقاك أم واديك
منعوك من سنة الكرى وسروا فلوعثروا بطيف طارق ظنوك
وجلوك لي إذ نحن غصنا بانةحتى إذا احتفل الهوى حجبوك
ولوى مقبلك اللثام وما درواأن قد لثمت به وقبل فوك
فضعي القناع فقبل خدك ضرجترايات يحيى بالدم المسفوك
ولنقتصر من مخالصه على هذا المقدار، فقد كدنا أن نفضي إلى الإملال بالإكثار.
ومن بديع حسن التخلص أيضاً قول أبي العلاء المعري:
ولو أن المطي لها عقولوجدك لم نشد بها عقالا
مواصلة بها رحلي كأنيمن الدنيا أريد بها انفصالا
سألن فقلت مقصدنا سعيدفكان اسم الأمير لهن فالا
وممن برز في هذا الميدان، فسبق إلى غاية الإحسان، أبو العباس محمد الأبيوردي، فمن بديع مخالصه قوله من قصيدة في سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس:
وقفنا بمستن الوداع وراعنابحزوى غراب البين لأضمه وكر
فألف ما بين التبسم والبكاسلو ووجد عيل بينهما الصبر
فو الله ما أدري أثغرك أدمعيغداة تفرقنا أم الأدمع الثغر
تبرمت الأجفان بعدك بالكرىفلا تلتقي أو تلتقي ولها العذر
يغيب فلا يحلو لعيني منظرويكثر مني نحوه النظر الشزر
ويلفظ سمعي منطقا لم يفه بهعلى أنه كالسحر لا بل هو السحر
ففيه ولا كل الكلام بمشتهىسوى مدح سيف الدين عن مثله وقر
وقوله من أخرى في بعض رؤساء أسرته:
يبدو لي البرق أحيانا وبي ظمأفلا أبالي بصوب العارض الهطل
وفي ابتسامة سعدى عنه لي عوضفلم أشم بارقا إلا من الكلل
هيفاء تشكو إلى دمعي إذا ابتسمتعقودها الثغر شكوى الخصر للكفل
يغضي لها الريم عينيه على خفرولا يمد إليها الجيد من خجل
طرقتها وسناها كاد يعذرنيلو لم يجرني زمام الفاحم الرجل
وإن سرت نم بالمسرى تبرجهافالمسك في أرج والحلي في زجل
أشكو إلى الحجل ما يأتي الوشاح بهوألزم الريح ذنب العنبر الشمل
إذ لمتي كجناح النسر داجيةوالعيش رقت حواشي روضه الخضل
واها لذلك من عصر ملكت بهعلى الجآذر فيه طاعة المقل
لو رمت بابن أبي الفتيان رجعتهلعادت البيض عن أيامه الأول
ففي الشبيبة عما فاتنا بدلوليس عنها سوى نعماه من بدل
وقوله من أخرى في المقتدي بأمر الله، وقد تقدم مطلعها في حسن الابتداء:
وقد ساءني أن أرى دارهاتصوغ الحمائم فيه اللحونا
لئن ضنت السحب الغادياتفلست بدمعي عليها ضنينا
كأن الشآبيب من صوبهمواهب خير بني الخير فينا
وقوله من أخرى كتب بها إلى بعض إخوانه من سروات العجم لصداقة بينهما:
وحنة بت أستبكي الخلي بهاوقد بدا من حفافي توضح علم
أصبو إليه وقد جر الرياح بهذيولها وتولت وشيه الديم
وما بي الربع لكن من يحل بهوإنما لسليمي يكرم السلم
والدهر يغري نواها بي وعن كثبمن صرفه بأبي عثمان أنتقم
قوله (من حفافي توضح) أي من جانبيه، وهو مثنى حفاف، بكسر الحاء المهملة وفتح الفاء - ككتاب - وهو الجانب.
وممن جاء بالبديع الخالص من محاسن المخالص، أبو الحسن علي بن محمد التهامي وهو كما قال فيه أبو الحسن الباخرزي في دمية القصر: له شعر أدق من دين الفاسق، وأرق من دمع العاشق كأنما روح بالشمال أو علل بالشمول، فجاء كنيل البغية أو درك المأمول. انتهى.
فمن ذلك قوله من قصيدة في الشريف محمد بن الحسين مطلعها:
حازك البين حين أصبحت بدراإن للبدر في التنقل عذرا
فارحلي عن أردت أو فأقيميعظم الله للهوى في أجرا
لا تقولي لقاؤنا بعد عشرلست ممن يعيش بعدك عشرا
ولم يزل ينتقل في حدائق هذا الغزل حتى قال:
كلما مرت الركاب بأرضكتبت أسطرا من الدم حمرا
ثم اتبعنها الحوافر نقطافغدت تقترى لمن ليس يقرا
تتبارى بكل خبث رحيبيشبه ابن الحسين خلقا وصدرا
وقوله من أخرى يمدح الشريف القاضي بدمشق، مطلعها:
هي البدر لكن تستسر مدى الدهروكل سرار البدر يومان في الشهر
هلالية نيل الأهلة دونهاوكل نفيس القدر ذو مطلب وعر
ومنها:
لها ريقة استغفر الله أنهاألذ وأشهى في النفوس من الخمر
وصارم طرف لا يزايل جفنهولم أر سيفا قط في جفنه يفري
أعانق منها صعدة زاغبيةترى زجها في موضع النظر الشزر
ويقصر ليلي إن ألمت لأنهاصباح وهل لليل بقيا مع الفجر
إلى أن قال:
أقول لها والعيس تحدج للنوىأعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة آنفاعلى طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخمران أن ليالياتمر بلا نفع وتحسب من عمري
يبدل وجه الدهر من كل وجهةلنا صدء التعبيس من رونق البشر
ألم ترني استرضع الغيث درهلسعدى واستسقي لها سبل القطر
سقاها إذا اشتاقت من الغيث وابلهزيم الكلى واهي المزادة ذو نهر
أجش ملث مغدق الوبل جودهكجود علي أو كنائله الغمر
وقوله من أخرى يمدح أبا القاسم بن المغربي أجاد فيها كل الإجادة، مطلعها:
أرحت قلبي من عداة الملاحلليأس روح مثل روح النجاح
وربما حكمت في مهجتينشوان من ماء الصبا والمراح
وكيف لا تدركه نشوةواللحظ راح وجنى الريق راح
لو لم تكن ريقته خمرةلما تثنى عطفه وهو صاح
يبسم عن ذي أسر مثلمايلتقط الظبي بفيه الأقاح
ومنها:
وموقف لولا التقى لا التقىفيه نجادي ونظام الوشاح
قلت لخلي وثغور الربىمبتسمات وثغور الملاح
أيهما أبهى ترى منظرافقال لا أعلم كل أقاح
كيف رجوعي في الهوى بعدماخلعته خلع ردائي فطاح
وإنجاب عن فودي ليل الصبالكل ليل مدلهم صباح
فازورت البيض وأبصارهامطروفة عني وكانت صحاح
من كان يهواك لشيء مضىإذا انقضى عنك تولى وراح
وخلة أظهر ما أضمرتسيري فقالت أقلى وأطراح
فانحل سلك الدمع في ثغرهافشجت الخمر بماء قراح
وما زال يتلاعب بهذه المعاني والألفاظ، وتغازله رقائق هذا الافتنان مغازلة الألحاظ، إلى أن قال فأغرب، وأسمع فأطرب:
ومجهل مشتبه طرقهكأنما هن خطوط براح
يسعدني فيه وفي غيرهذوو صدور كفلاة فساح
كأنما أشباح أنضائناقسي نبع وكأنا قداح
حتى اجتلينا بعد طول السرىبغرة الكامل وجه الصباح
فقال لي صحبي أبدر السمافقلت لا بل هو بدر السماح
وقوله من أخرى:
إن الحجاز على تنائي أرضهناهيك من بلد إلي محبب
فسقاه منهمر الرباب كأنهيد جعفر بن محمد بن المغربي
وقوله من أخرى في المفرج بن دغفل الطائي، مطلعها:
بعثن غداة تقويض الخياممنية كل صب مستهام
وما ألطف قوله منها:
وأقسم ما معتقة شمولثوت في الدن عاما بعد عام
بأطيب من مجاجتهن طعماإذا استيقضن من سنة المنام
ولم أرشف لهن جنى ولكنشهدن بذاك أعواد البشام
إلى أن قال:
وأظلمهن إن ناديت يومابإحداهن يا بدر التمام
كما ظلم الندى من قاس يوماندى كف المفرج بالغمام
فتى جبلت يداه على العطاياكما جبل اللسان على الكلام
وقوله من أخرى فيه أيضاً، مطلعها:
ألم بمضجعي بعد الكلالخيال من هلال بني هلال
إلى أن قال:
بمقلتها لعمر أبيك سحربه تصطاد أفئدة الرجال
سمعنا بالعجاب وما سمعنابأن الليث من قنص الغزال
لقد بذل الفراق لنا رخيصالقاء العامرية وهو غال
وأبدى من محياها نهارايجاور من ذوائبها ليالي
أحن إلى الفراق لكي أراهاوإن كان الفراق علي لا لي
أشارت بالوداع وقد تلاقتعقود الثغر والدمع المسال
وأبكاني الفراق لها فقالتبكاء متيم ورحيل قال
فقلت لها أودع منك شمساإلى شمس الهدى شمس المعالي
ومن محاسن المخالص قول بديع الزمان الهمداني في قصيدة يمدح بها أبا علي بن أبي الحسين بن سيمجور، وقد قصده بمرو الروذ، ولحسن هذه القصيدة وبراعتها عن لي إيرادها هنا بجملتها وهي:
علي أن لا أريح العيس والقتباوألبس البيد والظلماء واليلبا
وأترك الخد معسولا مقبلهاوأهجر الكأس يعرو شربها طربا
حسبي الفلا مجلسا والبوم مطربةوالسير يسكرني من مسه تعبا
وطفلة كقضيب البان منعطفاإذا مشت وهلال الشهر منتقبا
تظل تنثر من أجفانها حببادوني وتنظم من أسنانها حببا
قالت وقد علقت ذيلي تودعنيوالوجد يخنقها بالدمع منسكبا
لا در در المعالي لا يزال لهابرق يشوقك لا هونا ولا كثبا
يا مشرعا للمنى عذبا مواردهبيناه مبتسم الأرجاء إذ نضبا
أطلعت لي قمرا سعدا منازلهحتى إذا قلت يجلو ظلمتي غربا
كنت الشبيبة أبهى ما دجت درجتوكنت كالورد أبهى ما أتى ذهبا
أستودع الله عينا تنتحي دفعاحتى تؤوب وقلبا يرتمي لهبا
وظاعنا أخذت منه النوى وطرامن قبل يقضى الهوى من حكمه أربا
غطى عليك قناع الصبر أن لناإليك أوبة مشتاق ومنقلبا
أبى المقام بدار الذل لي كرموهمة تصل التخويد والخببا
وعزمة لا تزال الدهر ضاربةدون الأمير وفوق المشتري طنبا
هذا المخلص مما يضرب به المثل في البراعة، ولم ينطق بمثله في الحسن لسان اليراعة، وبعده:
يا سيد الأمراء افخر فما ملكإلا تمناك مولى واشتهاك أبا
إذا دعتك المعالي عرف هامتهالم ترض كسرى ولا من قبله ذنبا
أين الذين أعدوا المال من ملكيرى الذخيرة ما أعطى وما وهبا
ما الليث مقتحما والسيل مرتطماوالبحر ملتطما والليل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقةأجدى يمينا وأدنى منك مطلبا
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبالو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقتوالليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
يا من تراه ملوك الأرض فوقهمكما يرون على أبراجها الشهبا
لا تكذبن فخير القول أصدقهولا تهابن في أمثالها العربا
فما السموأل عهدا والخليل قرىولا ابن سعد ندى والشنفرى غلبا
من الأمير بمعشار إذا اقتسموامآثر المجد فيما أسلفوا نهبا
ولا ابن حجر ولا ذبيان يعشرنيوالمازني ولا القيسي منتدبا
هذا لركبته أو ذا لرهبتهأو ذا لرغبته أو ذا إذا طربا
ومن ناصع حسن التخلص قول ابن قاضي ميلة من قصيدة يمدح بها ثقة الدولة يوسف بن عبد الله القضاعي، وقد تقدم منها جملة جيدة في نوع التفويف، وتخلصه المشار إليه قوله:
وعاذلة في بذل ما ملكت يديلراج رجاني دون صحبي تعنف
تقول إذا أفنيت مالك كلهوأحوجت من يعطيكه قلت يوسف
وقول الوزير الطغرائي من قصيدة يمدح بها نظام الملك، منها:
وهاجرة سجراء تأكل ظلهاملوحة المغراء رمضى الجناوب
ترى الشمس فيها وهي ترسل خيطهالتمتاح ريا من نطاف المذانب
سفعنا بها وجه النهار فراعنابنقبة مسود الخياشيم شاحب
وبات على الأكوار أشلاء جنحخوافق فوق العيس مثل العصائب
فلما اعتسفنا ظل أخضر غاسقعلى قمع الآكام جون المناكب
وردنا سحيرا بين يوم وليلةوقد علقت بالغرب أيدي الكواكب
على حين عري منكب الشرق جذبة من الصبح واسترخى عنان الغياهب
غدير كمرآة الغريبة تلتقيبصوحية أنفاس الرياح اللواهب
إذا ما نبال القطر تاحت له التقىبموضونة حصداء من كل جانب
إلى أن قال:
بعيس كأطراف المداري نواحلفرقنا بها الظلماء وحف الذوائب
نشطن به عذبا نقاخا كأنمامشافرها يغمدن بيض القواضب
رأين جمام الماء زرقا ومثلهامشى الصبح فارتابت عيون الركائب
فكم قامح من لجة الماء طامحإلى الفجر ظن الفجر بعض المشارب
إلى أن بدا قرن الغزالة ماتعاكوجه نظام الملك بين المواكب
قلت: وما زلت معجبا بقوله:
نشطن به عذبا نقاخا كأنمامشافرها يغمدن بيض القواضب
ظنا بأنه لم يسبق إلى هذا التشبيه، ولا شاركه أحد من الشعراء فيه حتى وقفت عليه في قول ابن المعتز يصف حمار الوحش:
وأقبل نحو الماء يستل صفوهكما غمدت أيدي الصياقل منصلا
وقوله أيضاً:
وأغمدن في الأعناق أسياف لجةمصقلة تغري بهن المفاوز
ومن التخلص البديع قول الطغرائي أيضاً:
سروا يطردون الليل عن متبلجمن الصبح يهدي الناظر المتوسما
تجهمهم وجه الزمان فألمعواله بشهاب الدين حتى تبسما
أخذه القاضي الأرجاني، ومزجه بسلاف التورية، فقال من قصيدة يمدح بها شهاب الدين أحمد بن أسعد الطغرائي:
فلا تكثرن شكوى الزمان فإنمالكل ملم جيئة وذهاب
وقد كان ليل الفضل في الدهر داجياإلى أن بدا للناظرين شهاب
ومنه قول جعفر بن شمس الخلافة:
وإني وإن نزهت شيبي عن الخناوأرضيت عذالي وأصغيت للنصح
لأهتز في الأحيان شوقا إلى الصباكما اهتز مولانا العزيز إلى المدح
وقوله أيضاً من قصيدة في الملك المسعود مع زيادة التورية:
هذبتني الأيام بالحسنات البيض منها والسيئات السود
وتبخترت في السعادة لماشملتني سعادة المسعود
وقوله أيضاً من أخرى في سراج الدين كامل مع بديع التورية أيضاً:
تولى الحمد عن قوم تولواعن الجود الذي بالحمد كافل
أناس قسموا أثلاث لؤمبغدار وكذاب وباخل
سأبكي من وجود النقص فيهمكما أبكي على عدم الفضائل
فهلا بالندى حازوا كمالارأوا في سراج الدين كامل
وقول الأديب أبي محمد عمارة اليمني من قصيدة يمدح بها الملك الناصر صلاح الدين يوسف:
ترنحت من نشوات الصبافبت مسرورا بنشوان صاح
وفاح من عرف الدجى عنبرأحرقه الفجر بجمر الصباح
لاموا عليها مغرما سمعهكراحة الناصر عند السماح
وقول ابن الساعاتي في الملك المذكور أيضاً:
منعت ظباء المنحنى بأسودهوأشد ما أشكوه فتك ظبائه
فعلت بنا وهي الصديق لحاظهاكظبي صلاح الدين في أعدائه
وقوله أيضاً:
أبكي العقيق بمثله ونهب أنفاس الغضى بضرامه المتسعر
وجدي وإن كنت الذليل ببيضهوجد العزيز بكل لدن أسمر
وقول أبي عبد الله السنبسي يمدح سيف الدولة صدقة ابن منصور:
ونرجس خضل تحكي أزاهرهأحداق تبر على أجفان كافور
كأنما نشره في كل باكرةمسك تضوع أو ذكر ابن منصور
وقول القاضي الفاضل من قصيدة يمدح بها خليفة الفاطميين في عصره، مطلعها:
ترى لحنيني أو حنين الحمائمجرت فحكت دمعي دموع الغمائم
وهل من ضلوع أو ربوع ترحلوافكل أراها دارسات المعالم
دعوا نفس المقروح تحمله الصباوإن كان يهفو بالغصون النواعم
تأخرن في حمل السلام عليكملديها لما قد حملت من شمائم
فإن فؤادي بعدكم قد فطمتهعن الشعر إلا مدحة لابن فاطم
وقول أبي الفتح محمد سبط ابن التعاويذي، من قصيدة في الخليفة الناصر لدين الله العباسي، مطلعها:
طاف يسعى بها على الجلاسكقضيب الأراكة المياس
إلى أن قال:
يا نهار المشيب من لي وهيهات بليل الشبيبة الديماس
حال بيني وبين لهوي وأطرابي دهر أحال صبغة رأسي
ورأى الغانيات شيبي فاعرضن وقلن السواد خير لباس
كيف لا يفضل السواد وقد أضحى شعارا على بني العباس
وقوله من أخرى في المستضيء بأمر الله وهو والد الناصر لدين الله المذكور، أولها:
قل للسحاب إذا مرتهـ يد الجنائب فارجحن
عج باللوى فاسمح بدمعك في المعاهد والدمن
يا منزل الأنس الجميعوملعب الحي الأغن
سكنت بك الآرام منبعد الأحبة والسكن
أين استقلت بالحبيبركابه ومتى ظعن
شوقي إلى زمن الحمىسقى الغوادي من زمن
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع