تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الترديد

هو القسيم له أو في القسيم علىنفي القسيم ولا ترديد في القسم

الترديد - عبارة عن أن يعلق المتكلم لفظة من كلامه بمعنى، ثم يرددها بعينها معلقة بمعنى آخر كقوله تعالى: (حتى نؤتى مثل (ما) أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالجلالة الأولى مضاف إليها متعلقة بمعنى، والثانية مبتدأ بها متعلقة بمعنى آخر. ومثله قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) فليلة القدر الأولى مبتدأ عند الجمهور خبره (ما) الاستفهامية، قدم للزومه الصدر، وبالعكس عند سيبويه، وهي متعلقة بمعنى التعظيم، وليلة القدر الثانية مبتدأ خبرها ما بعدها، وهي متعلقة بمعنى الإخبار عنها بكونها خيرا من ألف شهر.

ومثلوا له من الشعر بقول الحسن بن هاني وهو أبو نواس:

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتهالو مسها حجر مسته سراء
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع عنك لومي فإن اللوم إغراء»

فقوله: مسها، مسته: ترديد.

والأحسن، التمثيل له بقول محمد بن هاني المغربي:

وقد أهبط الغيث غض الجميمغض الأسرة غض الندى

يعني أن المطر لكثرة وقوعه هدل الروض وأنزله، والجميم بالجيم: النبت الكثير، أو الناهض المنتشر، والأسرة هنا مستعارة من قولهم: لمعت أسرة وجهه؛ وهي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر.

ومثله قوله أيضاً:

ويأبى لك الذم طيب النجاروطيب الخلال وطيب الشيم
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أما والمذاكي يلكن الشكم»

وقوله من أخرى:

أقول وقد شق أعلى السحابوأعلى الهضاب وأعلى الربى
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «ألا كل آت قريب المدى»
إذا الودق في مثل هذا الربابوذا البرق في مثل هذا السنا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «ألا كل آت قريب المدى»

وقول بدّر الدين بن مخزوم:

عزيز قوم عزيز الجار والشرفعبد العزيز غدا يلقاه خير وفي

وقول بعضهم في سوداء:

ومسكية النشر مسكية العذارين مسكية المنظر
تثنى وقامتها للقضيبوتنظر واللحظ للجؤذر
وأحسبها في خلال الحديثتنثر عقدا من الجوهر

فكل من هذه الألفاظ المرددة في هذه الأبيات تتعلق في كل موضع بمعنى غير الآخر، والفرق بين هذا النوع وبين التكرار: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد.

قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: وإن اتفق للشاعر توجيه اللفظة المرددة واشتراكها بمعنى آخر كان أبلغ. انتهى.

قلت: ولا يخفى أنه حينئذ يكون من باب الجناس التام.

ومثاله قول الشيخ الإمام عز الدين بن أبي الحديد في إحدى علوياته:

إمام هدى بالقرص آثر فاقتضىله القرص رد القرص أبيض أزهرا
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

فلفظة القرص في أول البيت مراد بها قرص الشعير الذي آثر به المسكين، والأسير، واليتيم. وفي آخره: قرص الشمس في ردها له.

ومنه قول بعضهم في وصف كتاب:

كتاب كوشي الروض حظت سطورهيد ابن هلال عن فم ابن هلال

أراد بابن هلال الأول: أبا الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، قال ابن خلكان: لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله، ولا قاربه. وبابن هلال الثاني: أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع. وعلى ذلك بنى فحول أرباب البديعيات أبياتهم.

فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي (ره) قوله:

له السلام من الله السلام وفيدار السلام تراه شافع الأمم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

السلام الأول: من التسليم، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: بمعنى السلامة، سميت الجنة بذلك، لأن الصائر إليها يسلم من كل آفة وغير ذلك.

ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:

له الجميل من الرب الجميلعلى الوجه الجميل بترديد من النعم

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

أبدى البديع له الوصف البديع وفينظم البديع حلا ترديده بفمي

وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:

هو الجواد رسول للجواد بمضمار الجواد له الترديد بالنعم

الجواد الأول بمعنى السخي، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: الفرس الرائع، ولكن انظر، ما معنى قوله: بمضمار الجواد؟ فإني لا أرى له هنا معنى.

وبيت بديعيتي هو قولي:

هو القسيم له أو في القسيم علىنفي القسيم ولا ترديد في القسم

القسيم الأول بمعنى الجميل - من القسامة وهو الحسن - والثاني بمعنى القسم بالكسرة وهو النصيب - نص عليه في القاموس -، والثالث بمعنى المقاسم. والمعنى: أن له أوفى النصيب من كل فضل وشرف، مع نفي المقاسم له في ذلك. وقولي: ولا ترديد في القسم: تذييل، والمعنى: أن القسم مقضية قضاء فصل لا ترديد فيها.

وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:

جلت فتوحا وجلت معشرا كفراطردا وجلت دياجي الأعصر الدهم

هذا البيت غير صالح للتجريد لتعلق معناه ببيت العكس قبله، والضمير في جلت عائد إلى الظبا في البيت المذكور. والترديد في لفظة جلت، فالأولى بمعنى عظمت، والثانية بمعنى أخرجت من الجلاء وهو الخروج من البلد - والثالثة بمعنى كشفت، يقال: جلى الشيء أي كشفه، ومنه جلى الصبح الظلام.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.