من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)
الروضة السادسة والأربعون في السنّ وطول العمر وقصره والشيخ والشابّ
عن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ ﷺ: «البركة مع أكابركم».
وقال: «من بلغ الثمانين من هذه الأمّة حرّمه الله على النار». وقال: «إن الله يحبّ أبناء الثمانين». وقال ﵊: «إذا بلغ المرء ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات». الحسن:
أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمّر. عبد الله: كان الرجل فيمن قبلكم لا يحتلم حتى يأتي عليه ثمانون سنة. روي: أن رجلا قال للنبيّ ﷺ:
أصابني فقر، فقال: «لعلّك مشيت أمام شيخ ». وعنه ﷺ: «من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن». وعنه ﷺ: «ثلاثة لا يستخفّ بهم إلا منافق: إمام مقسط، وذو شيبة في الإسلام، وذو علم». أردشير لابنه: وقّر المشايخ فهم مواطن الوقار ومعادن الآثار ورواة الأخبار وضبطة الأسرار، وإن رأوك في قبيح منعوك وإن لقوك في جميل أيّدوك، وإياك وأغمار الشبّان فهم أهل الصبوة إلى الشهوات. يزيد بن المهلّب لابنه: ليكن جلساؤك ذوي الأسنان فالشباب شعبة من الجنون. مرّ الحسن بشبّان فقال: شوبوا مجلسكم بشيخ.
قيل: من عرف حقّ من فوقه عرف حقّه من دونه. قيل لبعض الشجعان وهو
شيخ: لا بدّ لك من راجلين ليركباك، قال: نعم، وأمّا ألف رجل فلا يقدرون على أن يرجّلوني بعد الركوب. خدم بعض الملوك رجل بمرسوم ثم شاخ ولم يقدر على شيء فعرض للملك فقال: ليعط مرسوم الشيخ كاملا وليطلب لخدمته رجل، فإنه لا يليق للملوك أن ينقصوا عطاءهم عن خدمهم إذا عجزوا عن الخدمة. وهب بن منبه: إن أصغر من مات من ولد آدم ﵇ ابن مائتي سنة. يحيى بن معاذ: مقدار عمرك في جنب عيش الجنّة كنفس واحد، فإذا ضيّعت نفسك فخسرت عيش الأبد فإنك لمن الخاسرين. عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: من تمنّى طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب. عثمان ﵁: من طال به الزمان، يرى في نفسه الهوان.
لشيب رأسي بكت عيني ولا عجبيجري العيون سقوط الثلج في القلل
عبد العزيز بن أبي روّاد: من لم يتّعظ بثلاث لم يتّعظ بشيء: الإسلام والقرآن والشيب.
يا عامر الدنيا على شيبهفيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانهاوجسمه مستهدم يخرب
شمس الدين البخاريّ:
ألم تستحي من وجه المشيبوقد ناجاك بالوعظ المصيب
أراك تعدّ للآمال ذخرافما أعددت للأجل القريب؟
وقيل:
يا شيبتي دومي ولا تترحّليوتيقّني أنّي بوصلك مولع
قد كنت أجزع من حلولك مرّةفالآن من حذر ارتحالك أجزع
أعرابيّ: وضع رداء مجونه لما بدا الفجر من ليالي قرونه. قيل لرجل:
ألا تشرب؟ فقال: شيب الرأس مطردة عن الكأس. قيل: الشيب مطيّة الأجل وطريدة الأمل. نظر أبو يزيد قدّس الله سرّه إلى المرآة فقال: ظهر الشيب، ولم يذهب العيب، ولا أدري ما في الغيب. قيل: إنّ أوّل من شاب من ولد آدم إبراهيم الخليل ﵉. فقال: يا ربّ ما هذا؟ فقال: نوري، فقال:
ربّ زدني من نورك ووقارك. عيّر حكيم بالشيب فقال: نور يورثه تعاقب الليالي والأيام، وحلم يفسده مرّ الشهور والأعوام، ووقار يلبسه مدى العمر ومضيّ الدهر. رأى حكيم شيبة فقال: مرحبا بثمرة الحكمة وجني التجربة ولباس التقوى. عن النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: الشيب نوري فلا يجمل بي أن أحرق نوري بناري».
حكيم: الشيب نور لمن اهتدى وظلمة لمن ظلم. حكيم: إن خير نصفي عمر الرجل آخره: يذهب جهله، ويثوب حلمه، ويجتمع رأيه، وشرّ نصفي عمر المرأة آخره: يسوء خلقها، ويحدّ لسانها، ويعقم رحمها. أنس، رفعه:
«خير شبابكم من تشبّه بكهولكم وشرّ كهولكم من تشبّه بشبابكم».
أيوب ﵇: إن الله يزرع الحكمة في قلب الصغير والكبير، فإذا جعل الله العبد حكيما في الصّبا لم يضع منزلته عند الحكماء حداثة سنّه وهم يرون عليه من الله نور كرامته. دخل الحسين بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كبير من أهل العلم، فأحبّ أن يتكلّم فزجره وقال: أصبيّ يتكلّم في هذا المقام؟ فقال:
إن كنت صبيّا فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان حين قال: (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ)
. قال أبو العباس المبرّد في الكامل: ليس بقدم العهد يفضّل القائل، ولا بحداثته يهضم المصيب. الأستاذ أبو إسماعيل:
لا تحقرنّ الرأي وهو موافقحكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدرّ وهو أجلّ شيء يقتنىما حطّ قيمته هوان الغائص
الحجاج بن يوسف الثقفيّ:
إذا كانت السبعون داءك لم يكنلدائك إلا أن تموت طبيب
إذا ما انقضى القرن الذي أنت فيهموخلّفت في قرن فأنت غريب
أبو دلف:
في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعتكأنما طلعت في ناظر البصر
أبو الطيب:
متى لحظت بياض الشيب عينيفقد وجدته منها في السواد
وقيل:
لكلب عقور أسود اللون رابضعلى صدر سوداء الذوائب كاعب
أحبّ إليها من معانقها الذيله لحية بيضاء فوق الترائب
بعض النساء: لأن أرى على صدري حيّة سوداء، أحبّ إليّ من أن أرى شيبة بيضاء. قيل:
قد شارف التسعين من أعوامهودنت منيّته وحان حصاده
واسودّ مشرق لونه وتضعضعتأركانه وابيضّ منه سواده
يحيى بن أكثم: ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل يريد أن يخجله: كم سنّ القاضي أيّده الله؟ فقال: مثل سنّ عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول الله ﷺ إمارة مكة وقضاءها. فأفحمه. ابن عباس ﵄ رفعه: «من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النار».
محمد بن عليّ بن الحسين: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه مناد من السماء: دنا الرحيل فأعدّ زادا. أنس ﵁ رفعه: «لكلّ شيء فصال، وفصال أمّتي ما بين الستّين إلى السبعين». وقال: «أنا في معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين». قال رجل لعبد الملك: كم لك من السنين؟ فقال: أنا في معترك المنايا ابن ثلاث وستين سنة، سمعت العرب تقول: ما بين الستين والسبعين دقّاقة الرقاب.
قيل: إذا جاوز الرجل الستين وقع بين قوّة العلل، وعجز العمل، وضعف الأمل، ووثبة الأجل. قيل: المشيب غمامة تمطر الأمراض. وقيل: هو أوّل مواعيد الفناء. وقيل: هو واعظ نصيح ومنذر فصيح. سأل الحجاج شيخا فقال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. فقال:
كيف نكاحك؟ قال: إذا بذلت لي عجزت، وإذا منعتني شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المهجع. قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردت القعود تباعدت عني الأرض، وإذا أردت القيام
لزمتني. فقال: كيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة.
قيل لأبي بكر الخوارزميّ وكان شيخا: كم بلغت من السنّ؟ قال: منزلة دقّاقة الرقاب. قيل لأبي العيناء: كيف أنت؟ قال: في الداء الذي يتمنّاه الناس. يعني الهرم. قيل: من متّع بكبر بلي بعبر، ومن تأخّر يومه ملّه قومه.
محمد بن عليّ الواسطىّ:
يا ربّ لا تحيني إلى زمنأكون فيه كلّا على أحد
خذ بيدي قبل أن أقول لمنألقاه عند القيام خذ بيدي
أحمد بن حنبل: ما شبهت الشباب إلّا بشيء كان في كمي فسقط. يونس النحويّ:
ثنتان لو بكت الدماء عليهماعيناي حتى تؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما:شرخ الشباب وفرقة الأحباب
قال رجل لفضل بن مروان: كم سنّك؟ قال: سبعون، ثم سأله بعد سنين فقال: سبعون، فقال: ألم تخبرني منذ عشرين سنة بهذا؟ قال: بلى ولكن أنا رجل ألوف إذا كنت في سنة أقمت فيها عشرين سنة.
بعض الحكماء: مبدأ ظهور المشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وقار، وفي الفودين شرف، وفي الصدغين شحّ، وفي الشارب فحش. قيل لرجل: أين شبابك؟ فقال: ذهب به خصال من طال أمده، وكثر ولده، وقلّ عدده، وذهب جلده. قيل: باليد الفارغة والنفس المستريحة
والشباب المقبل تكتسب الآثام ويستحلّ الحرام. أبو نواس: إنّ الشباب مطيّة الجهلات ومحسّن الضحكات. الواسطيّ: حان حصادي ولم يصلح فسادي.
قيل: شيب الرجل قبل أوانه من كثرة استعمال الطيب، أو هجران الحبيب. قيل لأعرابيّ: قد شخت وأفنيت عمرك بالبطالة فامش إلى الحجّ، فقال:
ليس لي دراهم، فقيل: بع دارك، فقال: وإذا رجعت فأين أسكن؟ وإن أقمت مجاورا أليس يقال: يا قرطبان بعت دارك وجئت تسكن داري؟. وقيل:
وقالوا أفق من نومة اللهو والصبافقد لاح صبح في دجاك عجيب
فقلت أخلائي دعوني ونومتيفإنّ الكرى عند الصباح يطيب
وقيل:
وقائلة خلّ التصابي لأهلهفإنّ الصبا بعد المشيب جنون
فقلت لها لا تعذليني فإنماألذّ الكرى عند الصباح يكون
أقبل الغنى على أبي زيد المروزيّ وقد أسنّ وتساقطت أسنانه وعجز عن الجماع، فقال: لا بارك الله فيك قد أقبلت حيث لا ناب ولا نصاب. الشيخ ابن الحاجب: لما طلب للتدريس في الإسكندرية في آخر عمره أنشد:
ولما مضى فقري وأيام فاقتيوساعد دهري بالغنى نفد العمر
النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع