من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)
الروضة التاسعة والثلاثون في العشق والمحبة والهوى
عن النبيّ ﷺ: «من عشق فعفّ وكتم ثم مات مات شهيدا». يحيى بن معاذ الرازي: لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين العباد ما قسمت للعاشقين عذابا. قال محمد بن عبد الله بن طاهر لأولاده: عفّوا تشرفوا، واعشقوا تظرفوا. يقال:
أوّل العشق النظر وأوّل الحريق الشرر. قيل:
أذني لبعض نساء الحيّ عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحيانا
سأل الرشيد رجلا: ما أشدّ ما يكون من العشق؟ قال: أن يكون ريح البصل من محبوبه أحبّ إليه من ريح المسك من غيره. أعرابية في وصف العشق:
خفي أن يرى وجلّ أن يخفى، فهو كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته وري وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر.
الحكماء: العشق طائر لا يلتقط إلا حبّة القلب. سئل أفلاطون عن العشق فقال:
داء لا يعرض إلا للفرّاغ. بعضهم:
العشق جهل عارضصادف قلبا خاليا
وقيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبا خاليا فتمكّنا
الباخرزيّ:
تملّكني واختار صدري مسكناومن عادة الملّاك أن يسكنوا الصدرا
وله:
أطلعت يا قمري على بصريوجها شغلت بحسنه نظري
ونزلت في قلبي فلا عجبفالقلب بعض منازل القمر
الجاحظ: العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أنّ السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما جاوز حدّ الاقتصاد. قيل: أشقى الأشقياء وزراء الأحداث من الملوك وعشاق الفتيان من الشيوخ. وقيل: من جرى مع هواه طلقا جعل للعذل فيه طرقا. وقيل: ليس الأسير من أوثقه عداه، وإنما الأسير من أوبقه هواه. وقيل: أوّل الهوى هون وآخره هون. وقيل: الهوى كالنار إذا أحكم إيقادها عسر إخمادها، وكالسيول إذا اتصل مدّها تعذّر صدّها.
الأصمعيّ: سألت من عذريّ: ما لكم إذا عشقتم تموتون؟ قال: في رجالنا خفّة وفي نسائنا عفّة. قيل لبني عذرة: ما بال قلوبكم كأنها قلوب الطير؟
تنماس كما ينماس الملح في الماء! فقالوا: إنا ننظر من محاجر العين وأنتم لا تنظرون إليها. وقيل لأعرابيّ منهم: ممن أنت؟ قال: من قوم إذا أحبّوا ماتوا.
فقالت جارية: هذا عذريّ وربّ الكعبة. البستيّ:
خذوا بدمي هذا الغلام فإنّهرماني بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه إنما أنا عبدهولم أر حرّا قطّ يقتل بالعبد
وأنشد بعض الحنفيّة لردّه:
خذوا بدمي من رام قتلي بلحظهولم يخش بطش الله في قاتل العمد
وقودوا به جبرا وإن كنت عبدهليعلم أنّ الحرّ يقتل بالعبد
وقيل:
عيناه أعانتا على سفك دميلكن شفتاه شفّتا عن سقمي
مذ حين مشت إلى هواه قدميفالدمع مدامتي نديمي ندمي
وقيل:
علامة من كان الهوى في فؤادهإذا لقي المحبوب أن يتغيّرا
زارت عبيدة الريحانيّ جارية كان يهواها وعنده إخوانه فحان وقت الظهر، فبادروا إلى الصلاة وهما يتحدّثان فأطالا حتى كادت الصلاة تفوت، فقيل: يا أبا الحسن الصلاة، فقال: رويدكم حتى تزول الشمس. أي حتى تذهب الجارية.
يقال: ناط حبّها بقلبي نائط وساط بدمي سائط. كان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابّان فكتب إليها الغلام:
ولقد رأيتك في المنام كأنّماعاطيتني من ريق فيك البارد
وكأنّ كفّك في يدي وكأننابتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت يومي كلّه متراقدالأراك في نومي ولست براقد
فأجابته:
خيرا رأيت وكل ما عاينتهستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقيفتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجيوأراك بين مداخلي ومجاسدي
فبلغ ذلك سليمان فأنكحهما وأحسن جهازهما.
مرّ مالك بن دينار بدار ليلا وإذا قائل يقول:
يا سيدي قد جاءك المذنبيرجو الذي يرجوه من يعتب
فاصفح له عن ذنبه منعماوهب له منك الذي يطلب
فوقف مالك يتسمع ويبكي والقائل يردّد البيتين بصوت حزين، فلما قارب السحر قال:
يا ناصبا مقلته فتنةإليك من مقلتك المهرب
فقال مالك: يا فاسق إنّما كان تضرّعك لغير الله، ومضى. أعرابيّ: كنت آتيها عند أهلها فتجهمني بلسانها وترحّب بطرفها. ليلى العامرية:
لم يكن المجنون في حالةإلا وقد كنت كما كانا
لكنّه باح بسرّ الهوىوإنني قد ذبت كتمانا
المجنون:
تعلقت ليلى وهي بكر صغيرةولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنناإلى الآن لم نكبر ولم يكبر البهم
قيل لأعرابيّ: ما بلغ بك حبّك لفلانة؟ فقال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذلك رائحة المسك. ابن مرخية: سألت سعيد بن المسيّب وكان مفتي المدينة: هل في حبّ دهماء وزر؟ فقال: إنما تلام على ما تستطيع من الأمر.
قيل:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءكم زاد باللوم للمشتاق أهواء
قيل: النهي عن الشيء داع إلى تعاطيه، واستدلّ على ذلك بفعل آدم وحوّاء نهيا عن الشجرة. عن النبيّ ﷺ: «لو نهي الناس عن فتّ البعر فتّوه وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء». قيل: من عذل عاشقا زمّر في است ميت ليطرب.
بعضهم: عذلك لا ينفع وكلامك لا يسمع.
قيل: المرأة تكتم الحبّ أربعين سنة ولا تكتم البغض يوما واحدا. قيل:
لا شيء أصيد لامرأة ولا أذهب لعفّتها من أن يحيط علمها بأنّ رجلا أحبّها. ابن داود: من كثرت لحظاته، دامت حسراته.
أبو حاتم:
أبرزوا وجهه الجميل ولاموا من افتتن
لو أرادوا عفافناستروا وجهه الحسن
آخر:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدالقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادرعليه ولا عن بعضه أنت صابر
أبو الفتح:
لا ترمينّ إلى الحسان بنظرةإني أراها آفة الألباب
إني رأيت الكلب أسرعه عمّىما كان مسكنه لدى القصّاب
بعضهم: لأن يرى ألف رجل امرأتي أسهل عندي من أن ترى امرأتي رجلا.
الحسن: النظر إلى الوجه الحسن عبادة. قيل: النظر إلى الماء والخضرة والوجه الحسن يزيد في العقل ونور البصر. حكماء الهند: اللحظ ترجمان القلب، واللسان ترجمان اليد. وقيل: اللحظ يقرب من اللفظ. وقيل: ربّ طرف أفصح من لسان. قيل: المكاتبة دلالة المحبة. محمد بن الجهم: أنعم عليّ بكتاب فهو لسان من اعترضته العوائق عن المشاهدة والمحادثة.
قال رجل لآخر: إني أحبّك، فقال: رائد ذلك عندي. وقال رجل لعبد الله ابن جعفر: إنّ فلانا يقول: إنّي أحبّك فبم أعلم صدقه؟ فقال: استخبر قلبك فإن كنت تودّه فإنه يودّك. قيل:
وعلى القلوب من القلوب دلائلبالودّ قبل تشاهد الأشباح
قال الإسكندر لأفلاطون وقد أراد سفرا: أرشدني. فقال: لا تملأن قلبك محبة لشيء ولا يستولينّ عليك بغضة، واجعلهما قصدا، فالقلب كاسمه يتقلّب.
عليّ ﵁: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما. عائشة رضي الله
عنها: جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. يحيى بن خالد قال لأولاده: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه فاحذروه، وإذا أحببتم الرجل من غير سبق خير منه إليكم فارجوه. قيل:
لا أسأل الناس عمّا في ضمائرهمما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
وقيل:
وقالوا قد صفت منا قلوبوقد صدقوا ولكن من ودادي
وقيل في بعض أهل الكياسة:
بصير بأعقاب الأمور كأنهيرى بصواب الرأي ما هو واقع
أراد أنوشروان أن يصيّر ابنه هرمز وليّ عهده، فاستشار وزراءه، فذكر كلّ وزير عيبا، قال بعضهم: قصير، فقال: لا يرى إلا راكبا أو جالسا. وقال بعضهم: أمّه روميّة، فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء. فقال الموبذ: هو مبغّض إلى الناس، فقال: العيب عندي هذا. قيل: من كان له عيب، ولا يكون ذلك العيب بغض الناس له، فلا عيب له. قال الأحنف يوما: فقير صدوق خير من غنيّ كذوب. فقال بعض أصحابه: ووضيع محبب خير من رفيع مبغّض. فقال: هذه إلى هذه. قيل: المرأة إذا أحبّتك آذتك، وإذا أبغضتك خانتك. وقيل: حبّها أذى وبغضها داء بلا دواء. قال رجل ليوسف ﵇: إني أحبّك. فقال: ما رأيت من الحبّ خيرا، أحبّني أبي فألقيت في الجبّ، وأحبّتني امرأة العزيز فألقيت في السجن، فأعفني عافاك الله. قال ناصبيّ لرافضيّ: أتحبّ عائشة؟ فقال الرافضيّ: أترضى أن أحبّ امرأتك؟
قال: لا، قال: فلم ترى لائقا لحرم الرسول ﷺ ما لا ترضى لحرمك.
العرب: تزعم أنّ من خدرت رجله فذكر محبوبه سكن الخدر. قيل:
إذا خدرت رجلي أبوح بذكرهليذهب عن رجلي الخدور ويذهب
ويقولون: من اختلج عينه أبصر محبوبه.
كتب بعضهم في عذر ترك توديع محبوبه: ما أعرضت عن تشييعك إلا استفظاعا لتوديعك، وما تركت توديعك إلا كراهية تجديد العهد بفراقك. جعفر الصادق: إذا شيّعت فأقصر، وإذا تلقّيت فأمعن. قيل: قطيعة الوصال قطع الأوصال. كتب بعضهم: ودّعت قلبي يوم توديعك، فهو يتصرّف بتصرّفك وينصرف بمنصرفك. قيل لصوفيّ: لم تصفرّ الشمس عند الغروب؟ فقال:
حذر الفراق. قيل: ما أكثر صدع الفراق، بين الرفاق!. وقيل: بكفّ الفرقة، نار الحرقة. قيل: الجنة أثر من آثار الوصال، والنار شرارة من حرارة الانفصال. الرشيد: كان يهوى جارية فتغاضبا فأمر جعفر العباس بن الأحنف أن يعمل فيه شيئا، فأنشد:
راجع أحبّتك الذين هجرتهمإنّ المتيّم قلّما يتجنّب
إن التجنّب إن تطاول منكمادبّ السلوّ له فعزّ المطلب
وأمر إبراهيم الموصلي فغنّى به عند الرشيد، فأرضاها الرشيد، فأمرت لكلّ من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف، وأمر الرشيد لكلّ منهما بأربعين ألفا.
الباخرزيّ:
وربّ نهار للفراق أصيلهووجهي كلا لونيهما متناسب
وله:
أيحسن في المروءة أن أسيراوأترك عندكم قلبي أسيرا
وله:
أضنى الهوى جسدي وأكسف باليوحرمت وضل الشادن الطبّال
رمت الوصال فقال أمر هيّنلكنّ كيسك مثل طبلي خالي
عباس بن الأحنف:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبّهوإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنّك إن لم تغفر الذنب في الهوىيفارقك من تهوى وأنفك راغم
ابن الفصيح:
زار الحبيب فحيّايا حسن ذاك المحيّا
من صدّه كنت ميتامن وصله عدت حيّا
سار إلى الحسن صديق له يريد توديعه، فأنشده الحسن:
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر لهرزية مال أو فراق حبيب
ذكر أعرابيّ امرأة فقال: كاد الغزال يكونها لولا ما تمّ منها ونقص منه.
بعضهم: ما كانت أيامي معها إلا كأباهيم القطا قصرا ثم طالت بعدها شوقا إليها وأسفا عليها. قيل: من تمّ سروره قصرت شهوره. وقيل:
ألا إنّ أيام البلاء على الفتىطوال وأيام السرور قصار
قيل: سنة الوصل سنة، وسنة الهجر سنة. عن النبيّ ﷺ: «حبّك للشيء يعمي ويصمّ» أي يعمي عن الرشد ويصمّ عن الوعظ. قيل:
إنّ المحبّ عن العذّال في صمم
قال معاوية: لولا (يزيد) لأبصرت رشدي. قيل:
ولست براء عيب ذي الودّ كلّهولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
وعين الرضى عن كلّ عيب كليلةكما أنّ عين السخط تبدي المساويا
وقيل:
وعين البغض تبرز كلّ عيبوعين الحبّ لا تجد العيوبا
وقيل:
إنّ البغيض وإن تملّح جهدهسمج ومنظر من تحبّ مليح
وقيل:
وللبغض عين لا تزال عبوسةوعين الرضى مكحولة بالتبسّم
وقيل:
ويقبح من سواك الفعل عنديفتفعله فيحسن منك ذاكا
ليم محمد بن سكّرة بحبّه غلاما أعرج، فأنشد:
قالوا بليت بأعرج فأجبتهمالعيب يحدث في غصون البان
إنّي أحبّ حديثه وأريدهللنوم لا للجري في الميدان
وأنشد بعد التحائه:
قالوا التحى وستسلو عنه قلت لهمهل يحسن الروض ما لم يطلع الزهر
هل التحى طرفه الساجي فأهجرهأم هل تزحزح عن أجفانه الحور
وقيل:
وموت الفتى خير له من صبابةإذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي
ويستظرف قول المتنبي:
أنت الحبيب ولكني أعوذ بهمن أن أكون محبّا غير محبوب
المنصور: قال للربيع: سل حاجتك. فقال: حاجتي أن تحبّ الفضل ابني. قال: ما سبب المحبّة؟ قال: أن تفضل عليه فإذن أحبّك وإذا أحبّك أحببته. فقال: لم اخترت المحبة من الأشياء؟ فقال: إذا أحببته صغر عندك كبير إساءته، وكبر صغير إحسانه، وصارت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك حاجة الشفيع العريان. يقال: التنقل من خلة إلى خلّة كالتنقل من ملّة إلى ملّة.
بعض الأكابر: كان الهوى فيما مضى أن يسرّ أحدهم بلبان مضغته حبيبته، كما قيل:
ولو كنت ميتا قيل دفني وجاءنيلبان بريق الحبّ قد صار معجونا
وأدخل ذاك العلك بالريق في فميلقمت به حيّا ولو كنت مدفونا
أو بسواك استاكت به. وقيل:
ولو أنّ السّواك أتى بريقمن المحبوب يهدى لي كفاني
واليوم يطلب أحدهم الخلوة الصحيحة كأنه أشهد على نكاحها أبا سعيد وأبا هريرة. قيل:
لم يخلق الرحمن أحسن منظرامن عاشقين على فراش واحد
وقيل:
لا شيء أطيب في الدنيا وساكنهامن وامق قد خلا يوما بموموق
وقيل:
ما لذّة أكمل في طيبهامن قبلة في إثرها عضّه
ابن الخطيب:
وشادن في الوصال جادلناوعند نيل المراد جادلنا
وبرقع الحسن قد أماط لناسألته قبلة فماطلنا
قيل: من أمات شهوته، أحيا مروءته. وقيل: من عفّت أطرافه حسنت أوصافه.
عليّ ﵁: قبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الوالدين عبادة، وقبلة الأخ رقّة. وزاد الحسن فقال: وقبلة الإمام العادل طاعة. قلت:
وقبلة يد العالم العامل والوليّ الصالح الكامل خير وبركة. قيل: قبلة المؤمن المؤمن المصافحة، وقبلة الرجل زوجته في الفم محبة، وقبلة الوالد الولد في الرأس، وقبلة الأمّ الابن في الخدّ شفقة.
النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع