من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)
الروضة السابعة والثلاثون في الطمع والرجاء والأمل واليأس والحرص والتمنّي والوعد وإنجازه وإخلافه والمطل والتسويف
في الحديث: «إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر». عليّ ﵁: أكثر مصارع العقول تحت بروق الطمع. فيلسوف: العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع. الأصمعيّ: كان يقال: العبد حرّ إذا قنع، والحرّ عبد إذا طمع. عليّ ﵁: الطمع رقّ مؤبد. عضد الدولة: كان يحبّ هذا البيت وينشده كثيرا، لأبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومهروض الأماني لم يزل معزولا
أبو الفتح البستيّ ﵀:
من شاء عيشا رخيّا يستفيد بهفي دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرنّ إلى من فوقه أدباولينظرنّ إلى من دونه مالا
اجتمع الفضيل وسفيان وابن كريمة اليربوعيّ فتواصوا فافترقوا وهم مجمعون على أنّ أفضل الأعمال: الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع. يقال:
الطامع في وثاق الذلّ. بعض الأولياء: الطمع مرض والسؤال نزع والحرمان موت. ذو النون: من قنع استراح من أهل زمانه، واستطال على أقرانه. قيل:
من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار. بعض العلماء: الحرص ينقص قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه. قيل: الحرص ذلّ عاجل والطمع فقر حاضر. عليّ رضي
الله عنه: كثرة الآمال، تقطع أعناق الرجال. دارا الأصغر: لا تطمع في كل ما تسمع. قيل: الطمع يدنّس الثياب ويعرّي الإهاب.
قيل لأشعب: ما بلغ بك من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد.
وقال: كانت شاة لي على السطح فأبصرت قوس قزح فحسبته حبلا من قتّ فوثبت فطاحت فاندقّت عنقها. يقال: من شره وقع فيما كره. وكان يقعد إلى الطبّاق فيقول: وسّع وسّع فعسى أن يهدي لي فيه من يشتريه. وقال: ما رأيت أطمع منّي إلّا كلبا تبعني على مضع العلك فرسخا.
عليّ ﵁: طال حزن من قصر رجاؤه. قيل لرجل: كيف حالك؟
فقال: أخدم الرجاء إلى أن ينزل القضاء. قيل:
ومن لم يعشق الدنيا قديماولكن لا سبيل إلى الوصال
ابن عائشة: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى ﵇ ذهب يقتبس النّار فكلّم الجبّار. كان ابن سيرين يقول: أنا لما أحتسب أرجى مني لما أحتسب، قال الله تعالى: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
. فضيل: الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف.
صلّى محمد بن أبي توبة بمعروف الكرخي ثم قال: لا أصلي بكم أخرى. فقال معروف: أو أنت تحدّث نفسك بصلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع خير العمل. عليّ كرّم الله وجهه: طوبى لمن لا أمل له. أسعد بن محمد:
يريد المرء أن يعطى مناهويأبى الله إلّا ما يشاء
وكل شديدة لزمت بقومفيأتي بعد شدّتها رخاء
أبو إسماعيل ﵀:
أعلّل النفس بالآمال أرقبهاما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
الطائيّ ﵀:
أهتزّ عند تمنّي وصلها طرباوربّ أمنية أحلى من الوطر
قيل: المرء ما دام حيّا خادم الأمل. وقيل: لا ينقضي الأمل ما بقي الأجل.
أتى رجل إلى خالد بن عبد الله لحاجة فقال: أتكلّم بجراءة اليأس أو بهيبة الأمل؟ قال: بجراءة الأمل، فسأله وقضى حاجته. وقيل: ربّ أمنية تضحك منها المنيّة. قيل:
أرى الناس في آمالهم في وساوسومن دونها سيف المنيّة منتضى
في المثل: في الرغبة شؤم.
بالحرص فوّتني دهري فوائدهوكلّما زدت حرصا زاد تفويتا
وقيل: من جرى في عنان أمله، كان عاثرا بأجله. قيل: لو رأيتم الأجل ومروره لأبغضتم الأمل وغروره. قيل: لو ظهرت الآجال، لافتضحت الآمال، فإياكم وطول الأمل، فإن من ألهاه أمله أخزاه أجله، ومن أطلق في أمله فرّط في عمله.
لم يبق جودك لي شيئا أؤمّلهتركتني أسكن الدنيا بلا أمل
عبد الله ﵁: «سئل رسول الله ﷺ عن الغنى فقال: اليأس عما
في أيدي الناس». أبو عبد الله وزير المهديّ: اليأس حرّ والرجاء عبد.
قيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشابّ؟ قال: لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشابّ. أنوشروان: احذر خدمة الحرصى فلا راحة لحريص. يقال: الحرص مفتاح التعب ومطيّة النصب. قيل للإسكندر:
ما سرور الدنيا؟ فقال: الرضا بما رزقت منها. قيل فما غمّها؟ فقال:
الحرص. قيل لسقراط: ما رأيناك مغموما! قال: ليس لي شيء متى ضاع مني عدمته. يقال: من رضي حظي. وقيل: من اطّرح الاقتراح استراح. عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القدر. قيل: الرضا اطّراح الأفراح على العالم بالصلاح. يقال: إذا كان القدر حقّا كان سخطه حمقا. لما قدم سعد بن أبي وقاص مكة بعد ما كفّ بصره قيل له: أنت مجاب الدعوة لم لا تسأل ردّ بصرك؟ قال: قضاء الله تعالى أحبّ إليّ من بصري. قيل لحكيم:
ما السبب في قبض الكفّ عند الولادة وفتحها عند الموت؟ فأنشد:
ومقبوض كفّ المرء عند ولادةدليل على الحرص المركّب في الحيّ
ومبسوط كفّ المرء عند مماتهيقول انظروا إنّي خرجت بلا شيّ
يقال: الخذلان مسامرة الأماني والتوفيق رفض التواني. أعرابيّ: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل. كاتب: أمّا بعد: فحقيق من أزهر بقول أن يثمر بفعل. قيل: قليل عاجل، خير من كثير آجل. لقمان: حبّة بنقد، خير من بدرة بوعد. في المثل: قليل في الجيب، خير من كثير في الغيب. وقيل: إذا خيّرت بين ذرّة منقودة، ودرّة موعودة، فمل إلى النقد، وفضّل اليوم على الغد، فإنّ للتأخير آفات، وللعزائم بدوات، وللغداة
معقبات، وبينها وبين النّجز عقبات وأيّ عقبات. عن النبيّ ﷺ: «عدة المؤمن كأخذ باليد».
قيل: العذر الجميل أحسن من المطل الطويل. قيل: تأخير الإسعاف من قرائن الإخلاف، فإن أدرت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.
أبو إسحاق:
جود الكريم إذا ما كان عن عدةوقد تأخّر لم يسلم من الكدر
إن السحائب لا تجدي بوارقهانفعا إذا هي لم تمطر على الأثر
كتب أبو العيناء إلى بعض الرؤوساء حين تأخّر وعده: ثقتي بك تمنعني من استبطائك، وعلمي بشغلك يدعوني إلى إخبارك، وليس لي مع ثقتي بعلوّ همّتك أمن من اخترام الأجل، فإنّ في الآجال آفات الآمال، فسح الله في أجلك وبلّغك منتهى أملك. قال رجل لبعض الأمراء: وعدتني بكذا، فقال:
ما أذكره، فقال الرجل: عدم ذكرك لأنّ من وعدته كثير فتنسى، وأنا لا أنساه لأن من أسأله مثلك قليل. فاستحسنه وقضى حاجته. أبو إسحاق:
وما طل الوعد مذموم وإن سمحتيداه من بعد طول المطل بالبدر
يا دوحة الجود لا عتب على رجليهزّها وهو محتاج إلى الثمر
وعد رجل رجلا ولم يف له، فقال: أخلفتني، فقال: والله ما أخلفتك
ولكنّ مالي أخلفك. الجاحظ: مواعيد القيان الآل في الفيافي، والهشيم تذروه الرياح السوافي. مدح بشار خالد بن برمك، فأمر له بعشرين ألفا، فأبطأ عليه فقال لقائده: أقمني حيث يمرّ، فأخذ بلجام بغلته وقال:
أظلّت علينا منك يوما سحابةأضاءت لنا برقا وراث رشاشها
فلا غيمها يصحى فييأس طامعولا غيثها يأتي فتروى عطاشها
أبو تمام:
يا أيها الملك النائي بزورتهوجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاإن السماء ترجّى حين تحتجب
أبو الطيب:
إذا بدا حجبت عينيك هيبتهوليس يحجبه ستر إذا احتجبا
وله أيضا:
كالشمس في كبد السماء وضوءهايغشى البلاد مشارقا ومغاربا
الطائيّ:
قريب الندى نائي المحلّ كأنههلال قريب النور ناء منازله
وقيل:
وكل خفيف الشأن يسعى مشمّراإذا فتح البوّاب بابك إصبعا
ونحن الجلوس الماكثون رزانةوحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
بعض الحكماء:
ألا ربّ نصح يغلق الباب دونهوغشّ إلى جنب السرير يقرّب
النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع