من «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» لابن الخطيب قاسم (ت ٩٤٠هـ)
الروضة الأربعون في العجز والكسل والبلادة والتواني والنسيان
عليّ ﵁: من أطاع التواني ضيّع الحقوق. كتب على عصا ساسان: الحركة بركة، والتواني مهلكة، والكسل شؤم، والأمل زاد الفجرة، وكلب طائف خير من أسد رابض، ومن لم يحترف لم يعتلف. وقيل: من طلب جلب ومن جال نال. وقيل: ما اشتار العسل من اختار الكسل. ويقال:
عليك بالإقدام ولو على الضرغام، فإن جراءة الجنان تنطق اللسان وتطلق العنان.
أبو إسماعيل:
إنّ العلا حدّثتني وهي صادقةفيما تحدّث أن العزّ في النّقل
لو كان في شرف المأوى بلوغ علالم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
في المثل: من جسر أيسر، ومن هاب خاب. أبو مسلم لقوّاده: عليكم بالجراءة فإنها من أسباب الظفر. قيل لعليّ: بم غلبت الأقران؟ فقال: بتمكين هيبتي في قلوبهم. العرب: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة، فاعتبروا، إنّ المقتول مدبرا أكثر من المقتول مقبلا. بعض الشجعان لرفيقه: اشدد قلبك فقد أقبل العدوّ، فقال: كلّما شددته استرخى. ابن السكيت:
نفسي تروم أمورا لست مدركهاما دمت أحذر ما يأتي به القدر
ليس ارتحالك في كسب الغنى سفرالكن مقامك في ضرّ هو السفر
وقيل: من العجز والتواني نتجت الفاقة. أعرابيّ: العاجز هو الشابّ القليل الحلية والملازم للحليلة.
الحريريّ ﵀: لا تسثقلنّ الرحلة ولا تستكرهنّ النقلة، فإنّ أعلام شريعتنا وأشياخ عشيرتنا أجمعوا على أنّ الحركة بركة، والطراوة سفتجة، وذرّوا على من زعم أن الغربة كربة والنّقلة مثلة، وقالوا: هي تعلّة من اقتنع بالرذيلة، ورضي بالحشف وسوء الكيلة. قيل:
نيل المعالي وحبّ الأهل والوطنضدّان ما اجتمعا للمرء في قرن
يقال: فلان يخدعه الشيطان عن العزم فيمثّل له التواني في صورة التوكّل ويورثه الهوينى بإحالته على القدر. أبو بكر ﵁:
العجز عن درك الإدراك إدراكوالبحث عن سرّ ذات الربّ إشراك
محمد الشهرستاني:
لقد طفت في تلك المعاهد كلّهاوسيّرت طرفي بين تلك العوالم
فلم أر إلّا واضعا كفّ حائرعلى ذقنه أو قارعا سنّ نادم
أبو عليّ:
اعتصام الورى بمغفرتكعجز الواصفون عن صفتك
تب علينا فإننا بشرما عرفناك حقّ معرفتك
قيل: فاز بالدرّ غائصه، وحاز بالصيد قانصه. قيل: من دام كسله خاب أمله. سئل بعض البرامكة عن سبب زوال دولتهم، قال: نوم الغدوات وشرب العشيات. الحكماء: الحزم أسدّ الآراء والغفلة أضرّ الأعداء. من قعد عن حيلته أقامته الشدائد، ومن نام عن عدوّه نبّهته المكايد.
من أعجبته آراؤه غلبته أعداؤه، من استضعف عدوّه اغترّ ومن اغترّ ظفر به.
أفراسياب: من ادّرع الحزم أمن سهام المكايد. قيل: أول الحزم المشورة.
سأل ابن الهيثم من بعض العقلاء: من يشير معاوية في هذه القضية؟ قيل:
عمرو بن العاص، فقال: من يشير عليا؟ قيل: هو مستبدّ برأيه، فقال: إن المستشير لمنجح والمستبدّ مكبّ، والله لقد نالها معاوية. بشّار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستشربحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضةفإنّ الخوافي قوّة للقوادم
بعضهم:
لقد جلب الفراغ عليك شغلاوأسباب البلاء من الفراغ
حكيم: من دلائل العجز كثرة الإحالة على القدر. الحسن: إنّ أشدّ الناس صراخا يوم القيامة رجل سنّ سنّة ضلالة فاتّبع عليها، ورجل فارغ مكفيّ قد استعان بنعم الله على معاصيه. قيل لسهل بن هارون: خادم القوم سيّدهم، فقال: هذا من أخبار الكسالى. يقال: الخيبة نتيجة مقدّمتين: الكسل والفشل، وثمرة شجرتين: الضجر والملل، والسآمة من أخلاق العامة لا من أخلاق
السامة. الحكماء: أبرّ الملوك بأسلافهم من تمّ به سعيهم. قيل: الحرمان شعاره الكسل، ودثاره التسويف والعلل. قيل: الكسل باب الخصاصة.
الكسلان إذا أرسلته إلى حاجة يكهن عليك. طاهر بن فضل: الكسلان منجّم والبخيل طبيب.
إنّ الهوينى تورث الهوانايدعى بها معتادها كسلانا
أبو بكر الخوارزميّ:
لا تصحب الكسلان في حالاتهكم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعةوالجمر يوضع في الرماد فيخمد
لقمان: يا بنيّ إيّاك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤدّ حقّا وإذا ضجرت تصير على حمق. بعضهم: الكسل أحلى من العسل. قيل:
إنّ البطالة والكسلأحلى مذاقا من عسل
إن لم تصدّقني فسلمن كان قبلي قد كسل
وقيل في عكسه:
ليس البطالة والكسلبالجالبين لك العسل
فانصب فإن الله قدحثّ المطيع على العمل
ابن السماك: جلاء القلوب استماع الحكمة، وصدؤها الملالة والفتور.
المأمون: إنّ النفس لتملّ الراحة كما تملّ التعب.
عمر ﵁: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا لا في عمل دنياه ولا في عمل آخرته. قيل: إن كان الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة. عليّ ﵁: عشر تورث النسيان: كثرة الهمّ، والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل التفاح الحامض، وأكل الكزبرة، وأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح القبور، والنظر إلى المصلوب، والمشي بين الجملين المقطورين، وإلقاء القمل حيّا. قلت: والمشي حافيا على النجاسة، والجلوس على مكانها ولو أزيلت، والأكل على الجنابة، وعدم التسمية قبل دخول الخلاء، وإدمان استعمال القوابض.، وأكل لحم الفرس فإنه يورث البلادة، وكذلك إدمان أكل لحم الجمل ومخّ التيس الكبير. قال العلامة: يا إنسان عادتك النسيان، أذكر الناس ناسي، وأرقّ القلوب قاسي. أبو الفتح البستيّ: في الاعتذار من النسيان إلى بعض الرؤساء:
يا أكثر الناس إحسانا إلى الناسيا أحسن الخلق إعراضا عن الباس
نسيت وعدك والنسيان مغتفرفاغفر فأوّل ناس أول الناس
الخليل: كان يتردّد إليّ شخص بليد يتعلّم العروض ولم يعلق بخاطره منه شيء، فقلت له يوما: قطّع هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع في تقطيعه ثم نهض ولم يعد، فعجبت من فطنته مع بلادته. يقال:
هذا أمر يضيق به فضاؤك وتسقط كسفا سماؤك. كان رجل ينسى أسماء
مماليكه فقال: اشتروا لي غلاما له اسم مشهور فلا أنساه، فاشتروا له غلاما وقالوا: اسمه واقد، فقال: هذا اسم لا أنساه اجلس يا فرقد. قالت العرب:
عقرة العلم النسيان. وفي الحديث: «آفة العلم النسيان».
النص من طبعة دار القلم العربي بحلب (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع