من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
في الزهد والمواعظ
ودخل أبو العتاهية على الرشيد حين بنى قصره، وزخرف مجلسه، واجتمع إليه خواصه، فقال له: صف لنا ما نحن فيه من الدنيا فقال:
عش ما بدا لك آمناًفي ظلّ شاهقة القصور
فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال:
يسعى إليك بما اشتهيت لدى الرواح وفي البكور
فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال:
فإذا النفوس تقعقعتفي ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناًما كنت إلاّ في غرور
فبكى الرشيد بكاء شديداً حتى رُحِم، فقال له الفضل بن يحيى: بعث إليك المؤمنين لتسره فأحزنته، فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى:
ألا نحن في اللديا قليل بقاؤهاسريع تعديها وشيك فناؤها
تزوَّد من الدنيا التقى والنهى فقدتنكرت الدنيا وحان انقضاؤها
تَرَقَّ من الدنيا إلى أي غايةسموت إليها فالمنايا انتهاؤها
ومن كلفته النفس فوق كَفافِهافما ينقضي حتى الممات عناؤها
وقوله:
ألا إنما الدنيا متاع غرورودار صعود مرة وحدور
كأني بيوم ما أخذت تأهباًله في رواح عاجل وبكور
كفى عِبْرة أن الحوادث لم تزَلْتُصَيِّرُ أهل الملك أهل قبور
خليليَّ كم من ميت قد حضرتهولكنني لم أنتفع بحضور
ومن لم يزده الدهر ما عاش عبرةفذاك الذي لا يستنير بنور
وقوله أيضاً:
إني سألت القبر ما فعلتبعدي وجوه فيك منعفره
فأجابني: صيَّرتُ ريحهمُتؤذيك بعد روائح عَطِره
وأكلت أجساداً منعمةكان النعيم يَزِينُها نضرَه
لم أبق غير جماجم عَرِيَتبيض تلوح وأعظمٍ نَخِره
وقوله أيضاً:
تفكر قبل أن تندمفإنك ميت فاعلم
ولا تغتر بالدنيافإن صحيحها يسقم
وإن جديدها يبلىوإن شبابها يهرم
وإنّ نعيمها يفنىفترك نعيمها أحزم
ومن هذا الذي يبقىعل الحدثان أو يسلم
رأيت الناس اتباعاً إلاّ مانوى في الخير أو قدَّم
وقوله:
إياك أعني يا ابن آدم فاستمعودع الركون إلى الحياة فتنتفع
لو كان عمرك ألف حول كامللم تذهب الأيام حتى تنقطع
إن المنية لا تزال ملحةحتى تستت كل شمل مجتمع
فاجعل لنفسك عدة للقاء منلو قد أتاك رسوله لم تمتنع
يا أيها المرء المضيع دينهإحراز دينك خير شيء تصطنع
فامهد لنفسك صالحاً تجزى بهوانظر لنفسك أيّ أمر تتبع
واعلم بأن جميع ما قدمتهعند الإله موفر " لك " لم يضع
" وله أيضاً:
كم يكون الشتاء ثم المصيفوربيع يمضي ويأتي خريف
وانتقال من الحرور إلى الظل وسيف الردى عليك منيف
يا قليل البقاء في هذه الدار إلى كم يغرك التسويف
عجباً لامرئ يذل لذي دنيا ويكفيه كل يوم رغيف
وقال أحمد بن علي بن مروان: دخلت مع إسماعيل بن سويد العنبري على أبي العتاهية وهو يجود بنفسه ويقول:
يا نفس قد مثلت حالي هذه لك منذ حين
وشككت أني ناصحلك فاشتملت على الظنون
فتأملي ضعف الحراك ونجلتي بعد السكون
وتيقّني أن الذيبك من علامات المنون
ومن شعر محمود الوراق:
إن جيشاً إلى الممات مصيرهلحقيق ألا يدوم سروره
وسرور يكون آخره الموت سواء طويله وقصيره
وقوله:
أبقيت مالك ميراثاً لوارثهيا ليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرهمفكيف بعدهُم صارت بك الحال
ملوا البكاء فما يبكيك من أحدواستحكم القيل في الميراث والقال
مالت بهم عنك دنيا أقبلت لهموأدبرت عنك، والأيام أحوال
" من ذلك قول بعضهم:
زيادة المرء في دنياه نقصانوربحه دون محض الدين خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات لهفإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداًبالله هل لخراب الدهر عمران
ويا حريصاً على الأموال يجمعهانسيت أن سرور المال أحزان
دع الركون إلى الدنيا وزخرفهافصفوها كدر والوصل هجران
وأرْعِ سمعك أمثالاً أفصلهاكما يفصل ياقوت ومَرْجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمفطالما استعبد الإنسان إحسان
وكن على الدهر مِعواناً لذي أمليرجو نداك فإن الحر مِعوان
من جاد بالمال مالَ الناس قاطبةًإليه والمال للإنسان فَتّان
من كان للخير منّاعاً فليس لهعند الخليقة إخوان وأخدان
لا تخدشنَّ بمَطلٍ وجه عارفَةٍفالبر يخدِشه مطْلٌ مليَان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمتهأتطلب الربح فيما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلهافأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
من يتق الله يحمد في عواقبهويكفه شر من عزّوا ومن هانوا
حسْبُ الفتى عقله خِلاًّ يعاشرهإذا تجافاه أصحاب وأعوان
لا تستشر غير شخص حازم فطنقد استوى منه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسانٌ إذا ركضوافيها أبرّوا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدَّرةوكلّ أمر له حدّ وميزان
من رافق الرفق في كل الحوادث لميندمْ عليه ولم يذمُمْه إنسان
ولا تكن عاجلاً في الأمر تطلبهفليس يحمد قبل النضج بحران
وذو القناعة راض في معيشتهوصاحب الحرص إن أثرى فغضبان
كفى من العيش ما قد سد من رمقففيه للحر إن حققت غُنيان
هما رضيعا لِبانٍ حكمةٌ وتُقىًوساكناً وطنٍ مالٌ وطغيان
من مد طرفاً بفرط الجهل نحو هوىأغضى عن الحق يوماً وهو خَزيان
من استشار صروف الدهر قام لهعلى حقيقة طبع الدهر برهان
من عاشر الناس لاقى منهم نَصَباًلأن طبعهم بَغْي وعُدوان
ومن يفتش عن الإخوان مجتهداًفجعل إخوان هذا الدهر خوّان
من يزرع الشر يحصد في عواقبهندامة ولحصد الزرع إبّان
من استنام إلى الأشرار نام وفيقميصه منهم صلٌّ وثعبان
من سالم الناس يسلم من غوائلهموعاش وهو قريرُ العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غداوما على نفسه للحرص سلطان
وإن أساء مسيء فليكن لك فيعروض زلته صفح وغفران
إذا نبا بكريم موطن فلهوراءه في بسيط الأرض أوطان
لا تحسبن سروراً دائماً أبداًمن سره زمن ساءته أزمان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعدهإن كنت في سنَةٍ فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضيّ سيرتهأبشر فأنت بغير الماء رَيّان
ويا أخل الجهل لو أصبحت في لججٍفأنت ما بينها لا شك ظمآن
دع التكاسل في الخيرات تطلبهافليس يسعد بالخيرات كسلان
صُن حُرَّ وجهك لا تهتك غلائلهفكل حر لحُر الوجه صَوّان
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهمغرائز لست تحصيها وألوان
ما كلُّ ماء كصدّاء لواردهنعم ولا كل نبت فهو سعدان
من استعان بغير الله في طلبفإن ناصره عجز وخذلان
واشدد يديك بحبل الله معتصماًفإنه الركن إن خانتك أركان
لا ظل للمرء يغني عن تُقى ورضاًوإن أظلته أوراق وأفنان
سُحْبانْ من غير مال باقلٌ حَصِرٌوباقِلٌ في ثراء المال سَحْبان
والناس أعوان من والتْه دولتهوهم عليه إذا خانته أعوان
يا رافلاً في الشباب الوَحف منتشياًمن كأسه هل أصاب الرشد نشوان
لا تغترر بشباب ناعم خضلٍفكم تقدم قبل الشّيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لميكن لمثلك في الأشراف إخوان
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبهاما بال شيبك يستهويه شيطان
كل الذنوب فإن الله يغفرهاإن شيع المرء إخلاص وإيمان
وكل كسر فإن الله يَسْبُرهوما لكسر قناة الدين جبران
أحسن إذا كان إمكان لقدرةفلا يدوم على الإنسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمةًوالحر بالعدل والإحسان يزدان
خذها سوائرَ أمثال مُهذبةفيها لمن يبتغي التّبيان تِبيان
ما ضرّ حسانها والطبع صائغهاأن لم يصغها قرِيعُ الشعر حسّان
وذيل عليها بعضهم فقال:
وكن لسنّة خير الخلق متبعاًفإنها لنجاة العبد عنوان
فهو الذي شمِلت للعبد أنعمهوعمهم منه في الدارين إحسان
جبينه قمر، قد زانه خَفَرٌ،وثغرُه دُرَرٌ غُرٌّ ومرجان
والبدر يخجل من أنوار طلعهوالشمس من حسنه الوضاح تزدان
ومُذْ أتى أبصرت عُمْيُ القلوب بهسُبْلَ الهدى وَوعَت للحقّ آذان
به توسّلُنا في محو زلتنالربنا إنه ذو الجود منّان
يا رب صل عليه ما همَى مطرفأينعت منه أوراق وأغصان
وابعث إليه سلاماً زاكياً عطراًوالآلِ والصحب لا تُفنيه أزمان
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع