من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
القصيدة الزينبية
ومن ذلك القصيدة الزينبية:
صرمت حبالك بعد وصلك زينبُوالدهر فيه تغير وتقلبُ
نشرت ذوائبها التي تزهو بهاسُوداً ورأسك كالثغامة أشيبُ
واستنفرت لما رأتك وطالماكانت تحن إلى لقاك وترغب
وكذاك وصل الغانيات فإنهآلٌ ببلقَعَةٍ وبرقٌ خُلّبُ
فدع الصبا فلقد عداك زمانهوازهد فعمرك مرّ منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودةوأتى المشيب فأين منه المهرب؟
دع عنك ما قد كان في زمن الصباواذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
واذكر مناقشة الحساب فإنّهلا بد يُحصى ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيتهبل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب
وألوح فيك وديعة أُودِعْتَهاسترُدّها بالرغم منك وتُسلَب
وغرور دنياك التي تسعى لهادار حقيقتها متاع يذهب
والليل فاعلم والنهار كلاهماأنفاسنا فيه تُعدُّ وتحسب
وجميع ما حصلته وجمعتهحقاً يقيناً بعد موتك ينهب
تباً لدار لا يدون نعيمهاومَشيدُها عمّا قليل يَخْرَب
فاسمع أُخَيّ وصية أولاكهابرّ نصوح للأنام مجرب
" أهدى النصيحة فاتّعظ بمقالهفهو التقي اللوذعي الأدرب "
صحب الزمان وأهله مستبصراًورأى الأمور بما تثوب وتعقب
لا تأمَنِ الدهر الخئون فإنهما زال قدماً للرجال يؤدب
وعواقب الأيام في غُصَّاتهامَضَضٌ يذل لها الأعز الأنجب
فعليك تقوى الله فالزمها تفزإن التقي هو البَهيُّ الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضاإن المطيع لربه لمقرب
واقنع ففي بعض القناعة راحةواليأس عما فات فهو المطلب
فإذا طمعت لبست ثوب مذلةفبذا اكتسى ثوب المذلة أشعب
وتَوَقَّ من غدر النساء خيانةفجميعهن مكايد لك تُنْصَب
لا تأمن الأنثى حياتَك إنهاكالأفعوان يُراع منه الأنيب
تُغْري بلين حديثها وكلامهافإذا سطت فهي الصقيل الأشطب
وابدأ عدوك بالتحية ولتكنمنهُ زمانَك خائفاً تترقب
واحذره إن لاقيته متبسّماًفالليث يبدو نابُه إذ يغضب
إن العدو وإن تقادم عهدهفالحقد باقٍ في الصدور مغيب
وإذا الصديق لقيته متلوناًفهو العدو وحقه يتجنب
لا خير في ود امرئ متملقٍحلو اللّسان وقلبه يتلهب
يلقاك يحلف أنّه بك واثقوإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف السان حلاوةويروغ عنك كما يروغ
وصل الكرام ولو رموك بجفوةفالصفح عنهم والتجاوز أصوب
فاختر قرينك واصطفيه مواتياًإن القرين إلى المقارن ينسب
إنَّ الغنيَّ من الرجال مكرموتراهُ يرجى ما لديه ويرهب
فأخفض جناحك للأقارب كلهمبتذلل واغفر لهم إن أذنبوا
وذر الذنوب ولا يكن لك صاحباًإن الكذوب يشين حراً يصحب
والفقر شَيْن في الرجال وإنّهحقاً يهون به الشريف الأنسب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكنثرثارة في كل ناد تخطب
وتوقَّ من عثراته من زلةفالمرء يسلم باللسان ويعطب
والسر فاكتمه ولا تنطق به" فهو الأسير لديك إذ لا ينشب
واحرص على حفظ القلوب من الأذىفرجوعها بعد التنافر يصعب
إن القلوب إذا تنافر ودها "شبه الزجاجة كسرها لا يُشعَب
وكذاك سر المرء إنْ لم يطْوِهنشرته ألسنة تزيد وتكذب
لا تحرصن فالحرص ليس بزائدفي الرزق بل يشقى الحريص ويتعب
ويظل ملهوفاً يروم تحيلاًوالرزق ليس بحيلة يستجلب
كم عاجز بالناس يأتي رزقهرغداً ويحرم كَيّسٌ ويخيَّب
وارع الأمانة، والخيانةَ فاجتنبواعدل ولا تظلم بطيب المكسب
وإذا أصابتك نكبة فاصبر لهامن ذا رأيت مسلماً لا ينكب
وإذا رُميت من الزمان بريبةأو نالك الأمر الأشد الأصعب
فاضرع لربك إنه أدنى لمنيدعوه من حبْل الوريد وأقرب
كن ما استطعت من الأنام بمعزلإن القليل من الورى من تصحب
واحذر مصاحبة اللئيم فإنهاتُعدي كما يعدي الصحيحَ الأجرب
واحذر من المظلوم سهماً صائباًواعلم بأن دعاءه لا يحجب
وإذا رأيت الرزق عزّ ببلدةوخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله واسعة الفلاطولاً وعرضاً شرقها والمغرب
" فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتيفالنصح أغلى ما يباع ويوهب "
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع