صَرَمت حَبالك بَعد وَصلِكَ زينَب
الشاعر: صالح بن عبد القدوس · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر صالح بن عبد القدوس، من العصر العباسي، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
صَرَمت حَبالك بَعد وَصلِكَ زينَب ... وَالدَهرُ فيهِ تَغير وَتَقَلُّب
نَشَرت ذَوائِها الَّتي تَزهو بِها ... سوداً وَرَأَسك كَالثَغامَة اِشيَب
وَاِستَنفَرت لِما رَأَتك وَطالَما ... كانَت تَحن إِلى لقاكَ وَتَرغَب
وَكَذاكَ وَصل الغانِياتِ فَإِنَّهُ ... آل بِــــبــــلقَــــعَــــة وَبَرق خَلب
فَدَع الصِبا فَلَقَد عَداك زَمانَهُ ... وَاِزهَد فَعمرك مِر مِنهُ الا طيب
ذَهب الشَبابُ فَمالَهُ مِن عَودَة ... وَأَتى المَشيبُ فَأَينَ مِنهُ الهَرَب
دَع عَنكَ ما قَد كانَ في زَمن الصِبا ... وَاِذكُر ذُنوبِكَ وَاِبكِها يا مُذنب
وَاِذكُر مُناقَشَة الحسابِ فَإِنَّهُ ... لا بُدَّ يحصى ما جَنَيتُ وَيَكتُب
لَم يُنسِهِ الملكان حينَ نَسيتُه ... بَل أَثبَتاه وَأَنتَ لاه تَلعَب
وَالروحُ فيكَ وَديعَة أَودَعتها ... ستردها بِالرغم مِنكَ وَتَسلَب
وَغرور دُنياكَ الَّتي تَسعى لَها ... دار حَقيقَتِها متاع يَذهَب
وَاللَيلُ فَاِعلَم وَالنَهارُ كِلاهُما ... أَنفاسُنا فيها تعد وَتحسَب
وَجَميعُ ما خَلَفتَه وَجَمَعتَهُ ... حقاً يَقيناً بَعد مَوتِكَ يُنهَبُ
تَبّاً لِدارٍ لا يَدومُ نَعيمُها ... وَمشيدُها عَما قَليل يخرَبُ
فَاِسمَع هَديت نَصيحَة أَولاكها ... بــــر نَــــصوح لِلأَنامِ مجرَبُ
صَحب الزَمانُ وَأَهلَهُ مُستَبصِر ... وَرَأى الاِمورَ بِما تَؤوبُ وَتعقب
لا تَأمَن الدَهر الخَؤونُ فَإِنَّهُ ... ما زالَ قُدُماً لِلرِجالِ يؤدب
وَعَواقِب الاِيامِ في غصاتها ... مَضض يَذل لهُ الأَعز الأَنجَب
فَعَلَيكَ تَقوى اللَهِ فَالزَمها تَفُز ... إِنَّ التَقِيِّ هُوَ البَهي الأَهيَبُ
وَاِعمَل بِطاعَتِهِ تَنَل مِنهُ الرِضا ... إِن المُطيعَ لَهُ لَدَيهِ مُقرَب
وَاِقنَع فَفي بَعضِ القَناعَةِ راحَة ... وَاليَأسُ مِمّا فاتَ فَهو المَطلَبُ
فَإِذا طَمعت كَسيت ثَوب مَذَلَّة ... فَلَقَد كَسي ثَوبَ المَذَلَّةِ اِشعَبُ
وَتوق مِن غَدرِ النِساءِ خِيانَة ... فَجَميعُهُنَّ مَكايدُ لَكَ تَنصب
لا تَأمَن الأُنثى حَياتك إِنَّها ... كَالأَفعُوانِ تَراع مِنهُ الأَنيبُ
لا تَأمن الأُنثى زَمانك كلَّه ... يَوماً وَلَو حَلَفت يَميناً وَتَكذِبُ
تَغري بِلين حَديثُها وَكلامُها ... وَاِذا سَطت فَهيَ الصَقيلُ الأَشطَبُ
وَاِبدأ عدوك بِالتَحِيَّةـ وَلتَكُن ... مِنهُ زَمانَك خائِفاً تَتَرَقَّب
وَاِحذَرهُ إِن لاقَيتَهُ مُتَبَسِّماً ... فَاللَيثُ يَبدو نابَهُ إِذ يَغضَبُ
إِن العَدو وَإِن تَقادَم عَهدَهُ ... فَالحِقدُ باق في الصُدورِ مُغيب
وَإِذا الصَديق لَقيتُهُ مُتَمَلِّقاً ... فَهو العَدو وَحقَّهـــ يَتجنَّبُ
لا خَيرَ في وُد امويء متمَلِّق ... حلو اللِسانِ وَقَلبَهُ يَتَلَهَّبُ
يَلقاكَ يَحلف اِنَّهُ بِكَ واثِق ... وَاِذا تَوارى عَنكَ فَهوَ العَقرَبُ
يُعطيكَ مِن طَرَفِ اللِسانِ حَلاوَةً ... وَيَروغُ مِنكَ كَما يَروغُ الثَعلَبُ
وَصل الكِرامِ وَإِن رَموكَ بِجفوَةٍ ... فَالصَفحُ عَنهُم بِالتَجاوُزِ أَصوَبُ
وَاِختَر قَرييك وَاِصطَفيهِ تَفاخُراً ... إِن القَرين إِلى المقارِن يُنسَبُ
وَإِن الغَني مِنَ الرِجالِ مُكرَم ... وَتَراهُ يَرجى ما لَدَيهِ وَيَرهب
وَيبش بِالتَرحيبِ عِندَ قُدومِهِ ... وَيُقامُ عِندَ سَلامِهِ وَيقرب
وَالفَقرُ شين لِلرِّجالِ فَإِنَّهُ ... حَقّاً يَهونُ بِهِ الشَريف الأَنسَب
وَاِخفِض جناحِك لِلأَقارِب كُلُّهُم ... بِتَذلل وَاِسمَح لَهُم إِن أَذنَبوا
وَدع الكَذوب فَلا يَكن لَكَ صاحِباً ... إِن الكَذوب يَشين حراً يَصحب
وَزن الكَلامِ اِذا نَطَقت وَلا تَكُن ... ثَرثارَة في كُل نادٍ يُخطَب
وَاِحفَظ لسانك وَاِحتَرِز من لَفظِه ... فَالمَرءُ يَسلم بِاللِسانِ وَيعطب
وَالسر فَاِكتِمه وَلا تَنطق بِهِ ... إِن الزُجاجَة كَسرها لا يشعب
وَكَذاكَ سر المَرءِ إِن لَم يَطوه ... نَشَرَته أَلسِنَة تَزيد وَتَكذِب
لا تَحرِصَنَّ فَالحِرص لَيسَ بِزائِد ... في الرِزقِ بَل يَشقى الحَريص وَيَتعَب
وَيَظل مَلهوفاً يَروخُ تحيلا ... وَالرِزقُ لَيسَ بِحيلَة يُستَجلَب
كَم عاجِز في الناسِ يَأتي رِزقُه ... رَغداً وَيحرم كيس وَيَخيب
وَاِرعَ الأَمانَةِ وَالخِيانَةِ فَاِجتَنِب ... وَاِعدل وَلا تَظلِم يَطِب لَكَ مَكسَب
وَاِذا اِصابَكَ نَكبَة فَاِصبِر لَها ... مِن ذا رَأَيت مُسلِماً لا يُنكَب
وَاِذا رَميت من الزَمانِ بِريبَة ... او نالَكَ الأَمرُ الأَشق الأَصعَب
فَاِضرَع لِرَبِّكَ إِنَّهُ أَدنى لِمَن ... يَدعوهعُ من حبل الوَريدِ لا يَصحَب
كُن ما اِستَطَعت عَن الأَنامِ بِمَعزَل ... إِن الكَثير من الوَرى لا يَصحَب
وَاِحذَر مُصاحَبَة اللَئيمِ فَإِنَّهُ ... يُعدي كَما يُعدي الصَحيح الأَجرَبُ
وَاِحذَر مِن المَظلومِ سَهماً صائِباً ... وَاِعلَم بِأَن دعاءَه لا يُحجَب
وَاِذا رَأَيتَ الرِزقَ عِز بِبَلَدة ... وَخَشيتَ فيها أَن يَضيقَ المدهب
فَاِرحَل فَأَرضُ اللَهِ واسَعَة الفَضا ... طولاً وَعَرضاً شَرقُها وَالمَغرب
فَلَقَد نَصَحتُكَ إِن قَبِلتَ نَصيحَتي ... فَالنُصحُ أَغلى ما يُباعُ وَيوهَب
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- اشيب: شيب: الشَّيْبُ: مَعْرُوفٌ، قَلِيلُه وكَثِيرُه بَياضُ الشَّعَر، والمَشِيبُ مِثْلُه، ورُبَّما سُمِّيَ الشَّعَرُ نَفْسُه شيْباً. شَابَ يَشِيبُ شَيْباً، ومَشِيباً وشَيبةً، وَهُوَ أَشْيَبُ، عَلَى غيرِ قياسٍ، لأَنَّ هَذَا النّ … (لسان العرب)
- الغانيات: (غَنِيَ) الْغَيْنُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَالْآخَرُ صَوْتٌ. فَالْأَوَّلُ الْغِنَى فِي الْمَالِ. يُقَالُ: غَنِيَ يَغْنَى غِنًى. وَالْغَنَاءُ بِفَ … (مقاييس اللغة)
- الهرب: هرب: الهَرَبُ: الفِرارُ. هَرَبَ يَهْرُبُ هَرَباً: فَرَّ، يَكونُ ذَلِكَ للإِنسان، وَغَيْرِهِ مِنَ أَنواع الْحَيَوَانِ. وأَهْرَبَ: جَدَّ فِي الذَّهابِ مَذْعُوراً؛ وَقِيلَ: هُوَ إِذا جَدَّ فِي الذَّهَابِ مَذْعُوراً، أَو غير … (لسان العرب)
- حبالك: حبل: الحَبْل: الرِّباط، بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْجَمْعُ أَحْبُل وأَحبال وحِبَال وحُبُول؛ وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ لأَبي طَالِبٍ: أَمِنْ أَجْلِ حَبْلٍ، لَا أَباكَ، ضَرَبْتَه ... بمِنْسَأَة؟ قَدْ جَرَّ حَبْلُك أَحْبُلا قَالَ ا … (لسان العرب)
- خلب: خلب: الخِلْبُ: الظُّفُر عامَّةً، وجَمْعُه أَخْلابٌ، لَا يُكَسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وخَلَبَه بظُفُرِه يَخْلِبُه خَلْباً: جَرَحَه، وَقِيلَ: خَدَشَه. وخَلَبه يَخْلِبُه، ويخْلُبه خَلْباً: قَطَعَه وشَقَّه. والمِخْلَب: ظُفُ … (لسان العرب)
- ذنوبك: ذنب: الذَّنْبُ: الإِثْمُ والجُرْمُ وَالْمَعْصِيَةُ، والجمعُ ذُنوبٌ، وذُنُوباتٌ جمعُ الْجَمْعِ، وَقَدْ أَذْنَب الرَّجُل؛ وَقَوْلُهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي مناجاةِ مُوسَى، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: … (لسان العرب)
- ذوائها: باب ذوا وذوي مضافين إِلى الأَفعال: قال شمر: قال الفراء سمعت أَعرا بيّاً يقول بالفضل ذُو فَضَّلَكم اللهُ به والكرامة ذاتُ أَكْرَمَكمُ اللهُ بها، فيجعلون مكان الذي ذُو، ومكان التي ذاتُ ويرفعون التاء على كل حال، قال: ويخلطو … (لسان العرب)
- زينب: زنب: زُنابةُ العَقْرب وزُناباها: كِلْتَاهُمَا إِبْرتُها الَّتِي تَلْدَغُ بِهَا. والزُّنابى: شِبْهُ المُخاطِ يَقَعُ مِنْ أُنوف الإِبل، فُعالى، هَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ، وَالصَّوَابُ الذُّنابى، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وزَنْبةُ … (لسان العرب)