من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار صالح بن عبد القدوس
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدثني محمد بن يزيد قال: حدَّثني العوفيّ قال: أخذ صالح بن عبد القدوس في الزندقة، فأدخل على المهدي، فلما خاطبه أعجب به، لغزارة أدبه وعلمه وبراعته، وبما رأى من فصاحته وحسن بيانه وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله، فلما ولّى ردّه وقال: ألست القائل:
وإن من أدبته في الصباكالعود يسقي الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراًمن بعد ما أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقهحتى يواري في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهلهكذي الضنا عاد إلى نكسه
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وأنت تترك أخلاقك؟ ونحن نحكم في نفسك بحكمك. فأمر به فقتل.
وحدثت من غير هذا الوجه بما هو عندي أثبت من الأول، وذلك ما رويناه أنه أنهى إلى الرشيد عنه هذه الأبيات، يعرض فيها بالنبي صلى الله عليه وآله:
غصب المسكين زوجتهفجرت عيناه من درره
ما قضى المسكين من وطرٍلا ولا المعشار من وطره
عذت بالله اللطيف بناأن يكون الجور من قدره
- عليه لعنة الله إن كان قالها - فقال له الرشيد: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: لا، والله يا أمير المؤمنين، ما أشركت بالله طرفة عين، ولا تسفك دمي على الشبهة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " وأخذ يرقق قلبه، ويستنزله عما عزم عليه بفصاحته وبيانه، ويتلو القرآن، حتى رقّ له وأمر بتخلية سبيله، فلما أراد أن يخرج من بين يديه قال: أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى إذا بلغ قوله:
والشيخ لا يترك أخلاقهحتى يواري في ثرى رمسه
قال: يا شيخ، هذا الكلام يشبه هذا الكلام، وهذا الشعر من نمط ذلك الشعر - يعني الأبيات التي نسبت إليه - ونحن نتمثل وصيتك، ثم أمر فضربت عنقه وصلب على الجسر.
وحدثني أبو جعفر قال: حدَّثني زياد بن أحمد قال: اجتمع قوم من أهل الأدب في مجلس فيهم صالح بن عبد القدوس، يتناشدون الأشعار، إلى أن حانت الصلاة، فقام القوم إلى ذلك، وقام صالح فتوضأ وأحسن ثم صلى أتم صلاة وأحسنها، فقال بعضهم: أتصلي هذه الصلاة ومذهبك ما تذكر؟ فقال: إنما هو رسم البلد، وعادة الجسد.
والله أعلم بتحقيق ذلك.
أما الرجل فله في الزهد في الدنيا، والترغيب في الجنة، والحث على الطاعة لله ﷿، والأمر بمحاسن الأخلاق، وذكر الموت والقبر، ما ليس لأحد وكان شعره كله أمثالاً وحكماً فمما يستحسن له قوله:
تأوبني هم فبت أخاطبهوبت أراعي النجم ثم أراقبه
لما رابني من ريب دهر أضرنيفأنيابه يبرينني ومخالبه
وأسهرني طول التفكير، إننيعجيب لدهر ما تقضي عجائبه
أرى عاجزاً يدعى جليداً لغشمهولو كلف التقوى لفلت مضاربه
وعفّا يسمى عاجزاً لعفافهولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وأحمق مصنوعاً له في أمورهيسوده إخوانه وأقاربه
على غير حزم في الأمور ولا تقىولا نائل جزل تعد مواهبه
وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنىولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطهفلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
إذا كمل الرحمن للمرء عقلهفقد كملت أخلاقه ومناقبه
فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول؟! وكيف يكون قائله زنديقاً؟ ومما يستحسن له قوله:
ألا أحد يبكي لأهل محلةٍمقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
كأنهم لم يعرفوا غير دارهمولم يعرفوا غير التضايق والبلوى
ومما يختار من شعره قوله:
فو حق من سمك السماء بقدرةوالأرض صير للعباد مهادا
إن المصر على الذنوب لهالكصدقت قولي أو أردت عنادا
وحدثني أحمد بن إبراهيم المعبر قال: رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكاً مستبشراً، فقلت له: ما فعل الله بك؟ وكيف نجوت مما كنت فيه؟ فقال: إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمت براءتك مما كنت تعرف به وترمى باعتقاده.
وأشعاره كثيرة، إلا أنها موجودة عند جميع الناس مستفيضة فيهم، فاقتصرنا على ما ذكرنا منها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع