من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار الحمادين
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية، وكانوا في عصر واحد، وكلهم شاعر مفلق وخطيب مبرز.
حدثني أحمد بن محمد الثقفي قال: حدثني إبراهيم بن عمر الكوفي قال: كان حماد عجرد مولى لبني سوءة بن عامر بن صعصعة وكان معلماً ثم شهر بالشعر وامتدح الملوك. وكان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون أجمل عشرة، كانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا جميعاً يرمون بالزنذقة، وإذا رأى الناس واحداً منهم قالوا: زنديق. اقتلوه. وكان حماد بن الزبرقان عتب على حماد الراوية في شيءٍ فهجاه، فقال فيما يهجوه، وينسبه إلى شرب الخمر
نعم الفتى لو كان يعرف قدرهويقيم وقت صلاته حماد
هدلت مشافرة الدنان فأنفهمثل القدوم يسنها الحداد
وابيض من شرب المدامة وجههوبياضه يوم الحساب سواد
وحماد عجرد هو القائل:
إن الكريم ليخفي عنك عسرتهحتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله عِللٌزرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطى القليل ولمتقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير يرجى للنوال فماترجى الثمار إذا لم يورق العود
بث النوال ولا تمنعك قلتهفكل ما سد فقراً فهو محمود
وهو القائل أيضاً وهي مليحة سائرة:
حُريث أبو الفضل ذو خبرةبما يصلح المعد الفاسده
تخوف تخمة أضيافهفعودهم أكلة واحده
ومما يختار له أيضاً قوله:
لست بغضبان ولكننيأعرف ما شأنك يا صاحِ
لأن تركت الراح جانبتنيما كان حبيك على الراحِ
قد كنت من قبل وأنت الذييعنيك إمسائي وإصباحي
لم تر عيني منك إلا الذيأفسدني من بعد إصلاحي
أنت من الناس وإن عبتهمدونكها مني بإفصاحي
ومما يختار لحماد عجرد قصيدته التي يعاتب فيها أبا يزيد ويحيى وهي:
قد جفاني أبو يزيد ويحيىولعمري ما خفت أن يجفواني
واصلاني فيما مضى فلغير الود فيما مضى واصلاني
غير أني كنت في ظل سلطان فكان الوصال للسلطان
ثم لما حال الزمان بسلطاني حالوا مع احتيال الزمان
وقال يمدح محمد بن أبي العباس السفاح وهو والي المنصور على البصرة:
أدعوك بعد أبي العباس إذ بانايا أكرم الناس أعراقاً وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدموأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مج عود على قوم عصارتهلمج عودك فينا المسك والبانا
وهي طويلة. ومما يستحسن من شعر حماد كلمته التي يهجو بها بعض الأمويين:
زرتُ امرأً في بيته مرةًله حياء وله خِيرُ
يكره أن يتخم أضيافهإن أذى التخمة محذورُ
ويشتهي أن يؤجروا عندهبالصوم والصائم مأجورُ
حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: حدثني اليحصبي قال: شرب حماد عجرد مع أبي دلامة يوماً، فسكرا من الخمر فطلبوهما، فأما أبو دلامة فهرب وأما حماد فأخذ فأُتي به المهدي فقال: استنكهوه. ففعلوا فشموا منه رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به، فقال: يا عدو الله أتشرب الخمر وتسكر؟ إني سأقيم عليك الحد ولا تأخذني في الله لومة لائم. وقال: احبسوه حتى يصحو. فمضي به إلى بيت فيه دجاج بعد أن وُجئ عنقه ومزق رداؤه، فكتب إلى المهدي:
أمير المؤمنين فدتك نفسيعلام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنبكأني بعض عمال الخراجِ
ولو معهم حبست لهان وجديولكني حبست مع الدجاج
أمن صهباء، ريح المسك منهاترقرق في الإناء لدى المزاج
عُقارٌ مثل عين الديك صرفكأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله حتىلقد كنت من النطف النضاج
وقد كانت تحدثني ظنونيبأني من عقابك غير ناج
على أني وإن لاقيت شراًلخيرك بعد ذاك الشر راج
فأخرجه ووصله، فلما ولي قال الربيع: أما فهمتَ قوله:
وقد طبخت بنار الله حتىلقد صارت من النطف النضاج
قال: بلى، فما أراد؟ قال: إنما أراد الشمس، وقال المهدي: ردوه. فردوه فقال: ما أردت بقولك: وقد طبخت بنار الله...
تعني بها الشمس؟ قال: لا، ولكن نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وهي على الربيع موصدة، فضحك منه وأمر بإطلاقه.
وأشعار حماد كثيرة واسعة، وهو من المشهورين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع