من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار مروان بن أبي حفصة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة: وكان أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم أعتقه يوم الدار لأنه أبلى يومئذ. والدليل على ذلك قول مروان يذكر عتق أبي حفصة:
بنو مروان قوم أعتقونيوكل الناس بعدهم عبيد
حدَّثني عبد الرحمن بن محمد التميمي عن أبيه محمد بن حنظلة قال: قال شراحيل بن معن بن زائدة: عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد وهو في قبة وعديله يوسف القاضي وهما يريدان الحج، فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة فأنشده شعراً؛ فقال يحيى في بيت: ألم أقل لك ألا ترجع إلى مثل هذا المعنى؟ ثم قال: يا أخا بني أسد، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهمأسودٌ لها في بطن خفّان أشبل
همُ يمنعون الجار حتى كأنّمالجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكنكأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعواأجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهموإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهموأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
فقال له أبو يوسف: - وقد أعجبته الأبيات -: من قائل هذه الأبيات يا أبا علي؟ قال يحيى: قائلها مروان بن أبي حفصة يمدح أبا هذا الفتى الذي تحت القبة؛ قال شراحيل: فرمقني أبو يوسف بعينه وأنا على فرسي.
وقال: من أنت يا فتى حياك الله؟ قلت: شراحيل بن معن بن زائدة. قال شراحيل: فوالله ما مرت عليّ ساعة قط. كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحاً وسروراً.
وكان يحيى بن أبي حفصة تزوج عمرة بنت إبراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاري على صداق عشرين ألف درهم، وسير إليها مهرها قبل أن يبنى بها، ولام الناس إبراهيم في ذلك وقالوا: زوجت عبداً وفضحت نفسك وأباك.
وأرادوه على انتزاعها فأبى وعظم الأمر في ذلك جداً ففي ذلك يقول إبراهيم:
فما تركت عشرون ألفاً لقائلمقالاً ولم أحفل مقالة لائم
فإن كنت قد زوجت مولى فقد مضتبه سنّةٌ قبلي وحب الدراهم
ويقال: إن أبا حفصة كان يهودياً، فأسلم على يدي عثمان، فأثرى وكثر ماله، وتولى الخزن لبني أمية، وتزوج خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم، وكان قيس بن عاصم سيد أهل الوبر، فقال في ذلك القلاخ الشاعر يهجو مقاتل بن طلبة:
نبئت خولة قالت حين أنكحهالطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهمافي فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت قائدهابرذنتها وبها التحجيل والغرر
ومروان من المجيدين المحككين للشعر ومما يستحسن له مراثيه في معن بن زائدة، ومدائحه أيضاً العجيبة فيه. ويقال: إنه دخل على جعفر ابن يحيى البرمكي، وقد امتدحه بهذه القصيدة، فوقف ينشد:
أبر فما يرجو جواد لحاقهأبو الفضل سباق اللهاميم جعفر
وزير إذا ناب الخليفة حادثأشار بما عنه الخليفة يصدر
فقال ويحكّ! أنشدني مرثيتك في معن:
وكان الناس كلهم لمعن إلى أن زار حفرته عيالا
فأنشده إياها حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه، فلما سكن قال: أثابك أحد من ولده وأهله على هذه شيئاً؟ قال: لا. قال جعفر: فلو كان معن حياً ثم سمعها منك، كم كان يثيبك عليها؟ قال: أربعمائة دينار. قال جعفر: لكني أظن أنه كان لا يرضى لك بذاك، وقد أمرنا لك عن معن بضعف ما قلت، وزدنا نحن مثل ذلك، فاقبض من الخازن ألفاً وسبعمائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك. فقال مروان يذكر ذلك، ويمدح جعفر، وزادها في مرثيته لمعن:
نفحت مكارماً عن قبر معنلنا ممّا تجود به سجالا
فعجلت العطية يا بن يحيىبتأدية ولم ترد المطالا
فكافي عن صدى معن جوادبأجواد راحةٍ بذلت نوالا
بني مالك خالد وأبوك يحيىبناء في المكارم لن ينالا
كأنّ البرمكي بكلّ مالتجود به يداه يفيد مالا
ومن قلائده وأمهات قصائده كلمته في معن بن زائده - وهو معن بن زائده بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس ابن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان - والقصيدة مختارة أولها:
أمسى المشيب من الشباب بديلاًضيفاً أقام فما يريد رحيلاً
والشيب إذ طرد السواد بياضهكالصبح أحدث للظلام أفولا
وقال مروان يفتخر، وليس له فخر قديم ولا حديث غير الشعر، وكان ناصبياَّ معرّضاً في شعره بآل الرسول صلى الله عليه وعليهم:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنماحلو القصيد ومره لجرير
ولقد هجا فأمض أخطل تغلبوحوى اللها ببيانه المشهور
كل الثلاثة قد أبر بمدحهوهجاؤه قد سار كل مسير
ولقد جريت مع الجياد ففتهابعنان لا شبم ولا مبهور
ما نالت الشعراء من مستخلفما نلت من جاه وأخذ بدور
عزت معاً عند الملوك مقالتيما قال حيهم مع المقبور
ولقد حبيت بألف ألف تثبإلا بسيب خليفة وأمير
ما زلت آنف أن أؤلف مدحهإلا لصاحب منبر وسرير
ما ضرني حسد اللئام ولم يزلذو الفضل يحسده ذو والتقصير
وتظل للإحسان ضامنة القرىمن كل تامكة السنام عقيري
أروى الظماء بكل حوض مفعمجوداً وأترع للسغاب قدوري
أعطى اللها متبرعاً عوداً علىبدءٍ وذاك عليّ غير كثير
وإذا أهدرت مع القروم محاضراًفي موطن فضح القروم هديري
ومما يستحسن لمروان قوله:
يا من بمطلع شمس ثم مغربهاإن السخاء عليكم غير مردود
قل للعفاة أريحوا العيس من طلبما بعد معن حليف الجود من جود
قل للمنية لا تبقي على أحدإذ مات معن فما ميت بمفقود
والقصيدة مشهورة، وهي طويلة وإنما ذكرت فقراً وعيوناً ومن أراد شعر القوم على الوجه فإن دواوينهم موجودة، ولا سيما هؤلاء المشهورين عند أكثر الناس، فأما من ليس يوجد شعره إلا عند الخواص فسنضمن الكتاب لهم قطعة صالحة، وصدراً وافراً، ليكون أكمل للفائدة عندنا، وسنورد من شعر مروان وطبقته من المعروفين القصائد التي يقل وجودها عند أكثر الناس، مثل كافيته وما أشبهها من مخزون شعره، والكافية هذه، وأولها:
لام في أم مالك عاذلا كاولعمر الإله ما أنصفاكا
وكلا عاذليك أصبح ممابك خلوا، هواه غير هواكا
عذلا في الهوى، ولو جرباهأسعدا إذ بكيت أو عذراكا
كلما قلت: بعض ذا اللوم قالاإن جهلاً بعد المشيب صباكا
بثّ في الرأس حرثه الشيب لماحان إبان حرثه فعلاكا
فاسل عن أم مالك، وأنه قلباًطالما في طلابه عنّاكا
أصبح الدهر بعد عشر وعشروثلاثين حجة قد رماكا
ما ترى البرق نحو قران إلاهاج شوقاً عليك فاستبكاكا
قد نأتك التي هويت وشطتبعد قرب نواهم من نواكا
وغدت فيهم أوانس بيضكعواطي الظباء تعطوا الأراكا
كنت ترعى عهودهن وتعصيفي هواهن كل لاح لحاكا
إذ تلاقي من الصبابة برحاوتجيب الهوى إذا ما دعاكا
عدّ عن ذكرهن واذكر همامابقوى حبله عقدت قواكا
أين لا أين مثل زائدة الخيرات إلا أبوه؟ لا أين ذاكا
يا بن معن يفكُّ كلّ أسيرمسلم لا يبيت يرجو الفكاكا
وبه تفعض الرئيس لدى الموت إذا اصطكت العوالي اصطكاكا
مطري أغر تلقاه بالعرف قؤولا وللخنا تراكا
من يرم جاره يكن مثل ما رام بكفّيه أن ينال السماكا
لم تزل عند موطن يا بن معنعن مقام تقومه قدماكا
إنّ معناً يحمي الثغور ويعطيما له في العلا وأنت كذاكا
لا يضر امرأً إذا نال ودّامنك ألا يناله من سواكا
ما عدا المجتدي أباك. وما منراغب يجتديه إلا اجتداكا
ودّ كل امرئ من الناس لو كان أبوه لدى الفخار أباكا
قد وفى البأس والندى لك بالعقد، كما قد وفيت إذ حالفاكا
وأجاباك إذ دعوت بلبيك كما قد أجبت إذ دعواكا
فهما دون من له تخلص الود، وترعى إخاءه أخواكا
لست ما عشت والوفاء سناءٌلهما مخفراً ولن يخفراكا
رفعت في ذرا المعالي قديماًفوق أيدي الملوك طرّاً يداكا
وسما الفرع منك في خير أصلمن نزار فطاب منه ثراكا
فبمعن تسمو، وزائدة الخير، وعبد الإله، كل نماكا
زين ما قدموا. ولم تلف صعبافي سلاليم مجدهم مرتقاكا
أعصمت منكم نزارٌ بحبللم يريدوا بغيره استمساكا
ورأبتم صدوعها بحلومٍراجحات دفعن عنها الهلاكا
فأشارت معاً إليكم وقالتإنما يرأب الصدوع أولاكا
يئس الناس أن ينالوا قديماًفي المعالي لسعيكم إدراكا
إن معنا كما كساه أبوهعزة السابق الجواد كساكا
كم به عارفاً يخالك أياهـ، وطوراً يخاله إياكا
لك من فضل بأسه يعرف البأس، كما من نداه فضل نداكا
كل من قد رآه يعرف منهنسم الخير فيك حين يراكا
سبق الناس إذ جرى ثم صليت كما من أبيه جاء كذاكا
دانياً من مدى أبيه مداهمثل ما من مداه أمسى مداكا
ماجدا النيل نيل مصر إذا ماطم آذيه كبعض جداكا
زاد نعمى أبي الوليد تماماًفضل ما كان من جدي نعماكا
سخطك الحتف حين تسخط، والغنم إذا ما رضيت يوماً رضاكا
كل ذي طاعة من الناس يرجوك كما كل مجرمٍ يخشاكا
وهذه القصيدة تسمى الغراء أخذ عليها من ابن معن مالاً كثيراً. ويقال ما أخذ أحدٌ من الشعراء المتقدمين ولا المحدثين ما أخذ مروان بالشعر. كان رسمه على الخلفاء مائة ألف درهم.
ومن قلائده وأمهات شعره هذه اللامية:
كأن التي يوم الرحيل تعرضتلنا من ظباء الرمل أدماء مغزل
تصدّ لمكحول المدامع لابنٍإذا خلفته خلفها، الطرف يعمل
وأشعاره كثيرة، ونوادره جمة.
وحدثني أبو مالك عن أبيه أن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أتى الحسن بن علي فقال: أنا مولاك - وكان قديماً يكتب لعلي بن أبي طالب ﵇. فقال فيه مولى لتمام بن العباس بن عبد المطلب:
جحدت بني العباس حقٌ أبيهمفما كنت في الدعوى كريم العواقب
متى كان أولاد البنات كوارثيحوز ويدعى والداّ في المناسب
فسرق مروان هذا المعنى، وأودعه قصيدته التي يقول فيها:
أنّى يكون وليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام؟
فأخذ بهذا البيت مالاً عظيماً.
ومما يستحسن من شعره كلمته في معن يرثيه ويذكر فعاله، وذلك قوله:
مضى لسبيله معنٌ وأبقىمكارم لن تبيد ولن تنالا
كأنّ الشمس يوم أصيب معنٌمن الإظلام ملبسه جلالا
هو الجبل الذي كانت نزارتهد من العدو به جبالا
تعطلت الثغور لفقد معنٍوقد يروي بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأورثتهامصيبته المجللة اختلالا
وظل الشام يرجف جانباهلركن العز حين وهى ومالا
وكادت من تهامة كل أرضومن نجدٍ تزول غداة زالا
فإن يعل البلاد له خشوعفقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معناًمن الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعنٍإلى أن زار حفرته عيالا
ولم يك طالب للعرف ينويإلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل ثقلويسبق فيض نائلة السؤالا
وما عمد الوفود لمثل معنولا حلوا بساحته الرحالا
ولا بلغت أكفّ ذوي العطايايميناً من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياضمن المعروف مترعة سجالا
فليت الشامتين به فدوهوليت العمر مدّ له فطالا
ولم يك كنزه ذهباً ولكنسيوف الهند والحلق الفضالا
وذابلة من الخطيّ سمراًترى فيهن ليناً واعتدالا
وذخراً من محامد باقياتٍوفضل لهاً به الإفضال نالا
مضى لسبيله من كنت ترجوبه عثرات دهرك أن تقالا
وقائلة رأت جسمي ولونيمعاً عن عهدها قلبا فحالا
أرى مروان عاد كذي نحولٍمن الهندي قد فقد الصقالا
رأت رجلاً براه الحزن حتىأضر به وأورثه خبالاً
وأيام المنون لها صروفتقلب بالفتى حالا فحالا
كأن الليل واصل بعد معنٍليالي قد قرن به فطالا
فلهف أبي عليك إذ العطاياجعلن مني كواذب واعتلالا
ولهف أبي عليك إذ اليتامىغدوا شعثاً كأن بهم سلالا
ولهف أبي عليك لكل هيجاغدت تلقى حواضنها السمالا
ولهف أبي عليك إذ القوافيلممتدح بها ذهبت ضلالا
أقمنا باليمامة إذ يئسنامقاماً لا نريد له زيالا
وقلنا: أين نرحل بعد معنوقد ذهب النوال فلا نوالا
سيذكرك الخليفة غير قالٍإذا هو بالأمور بلا الرجالا
حباك أخو أمية بالمراثيمع المدح اللواتي كان قالا
أقام وكان نحوك كل عاميطيل بواسط الكور اعتقالا
وألقى رحلة أسفاً وآلىيميناً لا يشد له حبالا
وأشعار مروان كثيرة جدّاً، ولو أوردنا عيون شعره لطال بها الكتاب، فليس له إلاّ كل عينٍ، ولسنا نخرج عن الحدّ الذي استنناه من الإيجاز والاختصار.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع