من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الأفال والأفائل
صغار الإبل من بنات المخاض ونحوها، واحدهما أفيل والأنثى أفيلة، وسيأتي ذكره إن تكون أقوى الناس فتوكل على الله وإن أردت أن يوسع الله عليك الرزق طموما كالمطر فلازم الدوام على الطهارة الكاملة وإن أردت أن تكون آمنا من سخط الله فلا تغضب على أحد من خلق الله وإن أردت أن يستجاب دعاؤك فاجتنب الحرام وأكل الربا وأكل السحت وإن أردت أن لا يفضحك الله على رؤوس الخلائق فاحفظ فرجك ولسانك وإن أردت أن يستر الله تعالى عليك عيبك فاستر على عيوب الناس فإن الله تعالى ستار ويحب من عباده الستارين وإن أردت أن تمحي خطاياك فأكثر من الاستغفار والخشوع والخضوع والحسنات في الخلوات وإن أردت الحسنات العظام فعليك بحسن الخلق والتواضع والصبر على البلية وإن أردت السلامة من السيئات العظام فاجتنب سوء الخلق والشح المطاع وإن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار فعليك بإخفاء الصدقة وصلة الرحم وإن أردت أن يقضي الله عنك الدين فقل ما قاله النبي ﷺ للأعرابي حين سأله وقال ﵊ له لو كان عليك مثل الجبال دينا أداه الله عنك قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك وفي الحديث لو كان على أحدكم جبل من ذهب دينا فدعا بذلك لقضاه الله عنه وهو اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أسألك أن ترحمني فارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك وإن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن الله تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء والورطة بفتح الواو وإسكان الراء الهلاك وإن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ومنه اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شيء قدير وإن أردت أن تأمن إن خفت من سلطان فقل ما ورد في
الحديث لا إله إلا الله الحليم الكريم رب السموات السبع ورب العرش العظيم لا إله إلا أنت عز جارك وجل ثناؤك لا إله إلا أنت ويستحب أن يقول ما تقدم اللهم إنا نجعلك في نحورهم إلى آخره وفي الحديث إذا أتيت سلطانا مهابا تخاف أن يسطو عليك فقل الله أكبر الله أكبر الله أعز من خلقه جميعا الله أعز مما أخاف واحذر والحمد لله رب العالمين وإن أردت ثبات القلب على الدين فقد أسند مرفوعا أنه كان من دعائه ﷺ اللهم ثبت قلبي على دينك وفي رواية يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
فائدة مجربة لمن دخل على سلطان يخاف شره فليقرأ الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم وإن أردت كثرة الخير والرزق فداوم على قراءة ألم نشرح وسورة الكافرون وإن أردت الستر من الناس فداوم على قول اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك وإن أردت عدم الجوع والعطش فداوم على قراءة لإيلاف قريش إيلافهم وقد جرب ذلك مرارا وصح وإن خفت على تجارتك أو مالك فاكتب سورة الشعراء وعلقها في موضع تجارتك يكثر فيه البيع والشراء ومن كتب سورة القصص وعلقها على من يخاف عليه التلف فإنها أمان له من ذلك وهو سر لطيف مجرب.
فائدة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا الله تعالى وعن أبي نعيم قال سمعت معروفا الكرخي يقول لما اجتمعت اليهود على قتل عيسى ﵇ اهبط الله تعالى جبريل ﵇ مكتوبا في باطن جناحه اللهم إني أعوذ باسمك الأحد الأعز وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال الذي ملأ الأركان كلها إن تكشف عني ضر ما أمسيت وأصبحت فيه فقال ذلك عيسى فأوحى الله ﷿ إلى جبريل ﵇ إن ارفع عبدي إلي.
فائدة:
مما جرب للصداع فصح ما روي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة وعليه قفل من ذهب مكتوب على ظهره شفاء من كل داء وفي داخله مكتوب هذه الكلمات بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
ولأن يعادي عاقلا خير لهمن أن يكون له صديق أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاإنّ الصديق على الصديق مصدق
وزن الكلام إذا نطقت فإنمايبدي عقول ذوي العقول المنطق
ومن الرجال إذا استوت أخلاقهممن يستشار إذا استشير فيطرق
حتى يحل بكل واد قلبهفيرى ويعرف ما يقول فينطق
لا ألفينّك ثاويا في غربةإن الغريب بكل سهم يرشق
ما الناس إلّا عاملان فعاملقد مات من عطش وآخر يغرق
والناس في طلب المعاش وإنمابالجد يرزق منهم من يرزق
لو يرزقون الناس حسب عقولهمألقيت أكثر من ترى يتصدق
لكنه فضل المليك عليهمهذا عليه موسع ومضيق
وإذا الجنازة والعروس تلاقياورأيت دمع نوائح يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتاورأيت من تبع الجنازة ينطق
وإذا امرؤ لسعته أفعى مرةتركته حين يجر حبل يفرق
بقي الذين إذا يقولوا يكذبواومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا
ومن محاسن شعره قوله:
ما يبلغ الأعداء من جاهلما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقهحتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهلهكذا الضنى عاد إلى نكسه
وإنّ من أدبته في الصباكالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرابعد الذي أبصرت من يبسه
قوله: والشيخ لا يترك أخلاقه، البيت والذي يليه، هما كانا سبب قتله وذلك أنّ المهدي اتهمه بالزندقة وأمر بإحضاره، فلما خاطبه أعجبه كلامه، فخلى عنه، فلما ولّى رده، وقال له:
ألست القائل والشيخ لا يترك أخلاقه؟ البيتين المتقدمين، قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك، فأمر به فقتل وصلب على الجسر، وذلك سنة سبع وتسعين ومائة ومن محاسن شعره أيضا قوله:
إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
وهو كقول ابن دريد:
من لم يقف عند انتهاء قدرهتقاصرت عنه فسيحات الخطا
وصالح هذا هو صاحب الفلسفة قتله المهدي على الزندقة. كان يعظ ويقص بالبصرة وحديثه يسير، وليس بثقة. قيل: إنه رؤي في المنام، فقال إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمت لراءتك مما قذفت به.
وقد أحسن بعض الشعراء في وصف القنديل حيث قال مشبها:
وقنديل كأنّ الضوء منهمحيا من هويت إذا تجلّى
أشار إلى الدجا بلسان أفعىفشمر ذيله فرقا وولّى
والأفعوان هو الشجاع الأسود يواثب الإنسان وكنيته أبو حيان وأبو يحيى لأنه يعيش ألف سنة وما أحسن قول بعضهم:
صرمت حبالك بعد وصلك زينبوالدهر فيه تغير وتقلّب
نشرت ذوائبها التي تزهو بهاسودا ورأسك كالثّغامة أشيب
واستنفرت لّما رأتك وطالماكانت تحن إلى لقاك وترغب
وكذاك وصل الغانيات فإنهآل ببلقعة وبرق خلّب
فدع الصبا فلقد عداك زمانهوازهد فعمرك مر منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودةوأتى المشيب فأين منه المهرب
دع عنك ما قد كان في زمن الصباواذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
واذكر مناقشة الحساب فإنهلا بد يحصي ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيتهبل أثبتاه وأنت لاه تلعب
والروح فيك وديعة أودعتهاستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لهادار حقيقتها متاع يذهب
والليل فاعلم والنهار كلاهماأنفاسنا فيها تعد وتحسب
وجميع ما خلفته وجمعتهحقا يقينا بعد موتك ينهب
تبا لدار لا يدوم نعيمهاومشيدها عما قليل يخرب
فاسمع هديت نصيحة أولاكهابرّ نصوح للأمور مجرب
صحب الزمان وأهله مستبصراورأى الأمور بما تؤوب وتعقب
لا تأمن الدهر الخؤون فإنهما زال قدما للرجال يؤدب
وعواقب الأيام في غصاتهامضض يذل له الأعز الأنجب
فعليك تقوى الله فالزمها تفزإن التقي هو البهي الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضاإن المطيع له لديه مقرب
واقنع ففي بعض القناعة راحةواليأس مما فات فهو المطلب
فإذا طمعت كسيت ثوب مذلةفلقد كسي ثوب المذلة أشعب
وتوق من غدر النساء خيانةفجميعهن مكايد لك تنصب
لا تأمن الأنثى حياتك إنهاكالأفعوان يراع منه الأنيب
لا تأمن الأنثى زمانك كلهيوما ولو حلفت يمينا تكذب
تغري بلين حديثها وكلامهاوإذا سطت فهي الصقيل الأشطب
وابدأ عدوّك بالتحية ولتكنمنه زمانك خائفا تترقب
واحذره إن لاقيته متبسمافالليث يبدو نابه إذ يغضب
إن العدوّ وإن تقادم عهدهفالحقد باق في الصدور مغيب
وإذا الصديق لقيته متملقافهو العدو وحقه يتجنب
لا خير في ود امرىء متملقحلو اللسان وقلبه يتلهب
يلقاك يحلف أنه بك واثقوإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوةويروغ منك كما يروغ الثعلب
وصل الكرام وإن رموك بجفوةفالصفح عنهم بالتجاوز أصوب
واختر قرينك واصطفيه تفاخراإن القرين إلى المقارن ينسب
إن الغني من الرجال مكرموتراه يرجى ما لديه ويرهب
ويبش بالترحيب عند قدومهويقام عند سلامه ويقرب
والفقر شين للرجال فإنهحقا يهون به الشريف الأنسب
واخفض جناحك للأقارب كلهمبتذلل واسمح لهم إن أذنبوا
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحباإن الكذوب يشين حرا يصحب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكنثرثارة في كل ناد تخطب
واحفظ لسانك واحترز من لفظهفالمرء يسلم باللبان ويعطب
والسر فاكتمه ولا تنطق بهإن الزجاجة كسرها لا يشعب
وكذاك سر المرء إن لم يطوهنشرته ألسنة تزيد وتكذب
لا تحرصن فالحرص ليس بزائدفي الرزق بل يشقي الحريص ويتعب
ويظل ملهوفا يروم تحيلاوالرزق ليس بحيلة يستجلب
كم عاجز في الناس يأتي رزقهرغدا ويحرم كيس ويخيب
وارع الأمانة والخيانة فاجتنبواعدل ولا تظلم يطب لك مكسب
وإذا أصابك نكبة فاصبر لهامن ذا رأيت مسلما لا ينكب
وإذا رميت من الزمان بريبةأو نالك الأمر الأشق الأصعب
فاضرع لربك إنه أدنى لمنيدعوه من حبل الوريد وأقرب
كن ما استطعت عن الأنام بمعزلإن الكثير من الورى لا يصحب
واحذر مصاحبة اللئيم فإنهيعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
واحذر من المظلوم سهما صائباواعلم بأن دعاءه لا يحجب
وإذا رأيت الرزق عز ببلدةوخشيت فيها أن يضيق المذهب
فارحل فأرض الله واسعة الفضاطولا وعرضا شرقها والمغرب
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتيفالنصح أغلى ما يباع ويوهب
تتمة: ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء، وغيره، قال: لما حضرت نزار بن
معد الوفاة، قسم ماله بين بنيه، وهم أربعة: مضر وربيعة وأياد وأنمار، وقال يا بني هذه القبة وهي من أدم حمراء وما أشبهها من المال المضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من المال لربيعة، وهذه الخادم وما أشبهها من المال لإياد، وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه. ثم قال لهم:
إن أشكل عليكم الأمر في ذلك واختلفتم في القسمة، فعليكم بالأفعى بن الأفعى الجرهمي. وإنه لما مات نزار توجهوا إلى الأفعى، وكان ملك نجران فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلا قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا أعور، فقال ربيعة: وهو أزور، وقال أياد: وهو أبتر، وقال أنمار:
وهو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل، فسألهم عن البعير، فقال مضر: أهو أعور؟
قال: نعم، قال ربيعة: أهو أزور؟ قال نعم. قال إياد: أهو أبتر: قال: نعم. قال أنمار: أهو شرود؟ قال: نعم، هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟! ثم سار معهم، حتى قدموا نجران ونزلوا بالأفعى الجرهمي. فنادى الشيخ صاحب البعير: هؤلاء أصابوا بعيري فإنهم وصفوا لي صفته، ثم قالوا: لم نره أيها الملك، فقال الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته رعى جانبا وترك جانبا، فعلمت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: رأيت بعره مجتمعا، فعلمت أنه أبتر، ولو كان ذيالا لمصع به. وقال أنمار:
رأيته رعى الملتف نبته، ثم جاوزه إلى مكان آخر أرق منه، فعلمت أنه شرود. فقال الأفعى للشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه. ثم سألهم من هم؟ فأخبروه، فرحب بهم. ثم قال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى؟ فدعا لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها على مقبرة. وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أجود لولا أنه ربي بلبن كلبة! وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أثرى منه لولا أنه ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه! وقال أنمار لم أر كاليوم خبزا أجود لولا أن التي عجنته حائض! وكان الأفعى قد وكل بهم من يستمع كلامهم، فأعلمه بما سمع منهم فطلب صاحب شرابه، وقال له: الخمرة التي جئت بها ما قصتها؟ قال هي من كرمة غرستها على قبر أبيك، لم يكن عندنا شراب أطيب من شرابها. وقال للراعي اللحم ما أمره؟ قال: من لحم شاة أرضعناها بلبن كلبة، ولم يكن في الغنم أسمن منها فدخل داره، وسأل الأمة التي عجنت العجين؟ فأخبرته أنها حائض. ثم أتى أمه وسأل منها عن أبيه؟ فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها، فأتت به. فعجب من أمرهم، ودس عليهم من سألهم عما قالوا؟ فقال مضر: إنما علمت أنها من كرمة غرست على قبر، لأن الخمر إذا شربت أزالت الهم، وهذه بخلاف ذلك، لأنا لما شربناها دخل علينا الغم. وقال ربيعة: إنما علمت أن اللحم لحم شاة رضعت من لبن كلبة، لأن لحم الضأن وسائر اللحوم، شحمها فوق اللحم إلا الكلاب، فإنها عكس ذلك، فرأيته موافقا له فعلمت أنه لحم شاة رضعت من كلبة،
فاكتسب اللحم منها هذه الخاصية. وقال إياد: إنما علمت أن الملك ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه لأنه صنع لنا طعاما ولم يأكل معنا، فعرفت ذلك من طباعه، لأن أباه لم يكن كذلك وقال أنمار: إنما علمت أن الخبز عجنته حائض، لأن الخبز إذا فت انتفش في الطعام، وهو بخلاف ذلك فعلمت أنه عجين حائض.
فأخبر الرجل الأفعى بذلك، فقال: ما هؤلاء إلا شياطين، ثم أتاهم فقال لهم: قصوا قصتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، وما كان من اختلافهم. فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو ملضر، فصارت له الدنانير والإبل وهي حمر فسميت مضر الحمراء. ثم قال وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال، فهو لربيعة فصارت له الخيل وهي دهم فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، من مال، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق من الخيل وغيرها وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فساروا من عنده على ذلك.
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف في الكلام على الكلب، ما نقله السهيلي من أن ربيعة ومضر كانا مؤمنين.
وفي وفيات الأعيان في ترجمة ابن التلميذ شيخ النصارى والأطباء، أنه كان بينه وبين أوحد الزمان هبة الله الحكيم المشهور تنافس، وكان يهوديا فأسلم في آخر عمره، وأصابه الجذام، فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوّعها، فبالغت في نهشه، فبرىء من الجذام وعمي فعمل فيه ابن التلميذ شعرا:
لنا صديق يهودي حماقتهإذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه والكلب أعلى منه منزلةكأنه بعد لم يخرج من التيه
وكان ابن التلميذ متواضعا وأوحد الزمان متكبرا، فعمل فيهما البديع الاسطرلابي شعرا:
أبو الحسن الطبيب ومقتفيهأبو البركات في طرفي نقيض
فهذا بالتواضع في الثرياوهذا بالتكبر في الحضيض
وقد ألغز أبو الحسن بن التلميذ في الميزان وأجاد:
ما واحد مختلف الأسماءيعدل في الأرض وفي السماء
يحكم بالقسط بلا رياءأعمى يرى الإرشاد كل راء
أخرس لا من علة وداءيغني عن التصريح بالإيماء
يجيب إن ناداه ذو امتراءبالرفع والخفض عن النداء
يفصح إن علق في الهواء
وقوله مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس للأسطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله يعدل في الأرض وفي السماء.
وميزان الكلام النحو، وميزان الشعر العروض، وميزان المعاني المنطق، وهذه الميزان وغير ذلك. والأسطرلاب بفتح الهمزة وإسكان السين وضم الطاء ومعناه ميزان الشمس. لأن أسطر اسم للميزان، ولاب اسم للشمس بلسان اليونان، وأول من وضعه بطليموس بفتح الباء واللام وإسكان الطاء والياء وضم الميم وله في وضعه قصة عجيبة، تركناها لطولها.
وكان ابن التلميذ قد جمع أنواعا من العلوم، حتى كان يتعجب من أمره كيف حرم الإسلام، مع كمال فهمه وغزارة عقله وعلمه، وهذا سر قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ
نسأل الله الوفاة على التوحيد آمين. توفي ابن التلميذ في صفر سنة ستين وخمسمائة.
الخواص دمها يكتحل به يجلو البصر، وقلبها يجفف ويشد على الإنسان، فلا يؤثر فيه السحر وإذا علق ضرس الأفعى الأيسر، على من يشتكي ضرسه، نفعه وإن علق على فخذ امرأة لم تحبل ما دام عليها. وقال القزويني، وابن زهر، وابن بختيشوع: إن قلب الأفعى، إذا علق على من به حمى الربع أبرأه. وشحمها ينفع من لسع سائر الهوام دلكا. وإن نتف الشعر من مكان، وطلي ذلك المكان بشحمها، منعه من النبات وإذا أمسك إنسان نوشادرا في فمه، حتى يذوب ثم بصق في فم الحية والأفعى ماتا من وقتهما. وسلخ الأفعى إذا طبخ بالخل، وتمضمض به نفع من وجع الأسنان والأضراس. وإذا سحق بالتراب، واكتحل به نفع من ظلمة البصر. وشحمها ينفع البواسير وبياض العين طلاء وكحلا. ومرارتها سم ساعة. وقال أبقراط: من أكل لحم الأفعى، أمن من الأمراض الصعبة.
حكي: عن عمرو بن يحيى العلوي أنه قال: كنا في طريق مكة فأصاب رجلا منا استسقاء، فاتفق أن العرب سرقوا قطارا منا فيه ذلك الرجل العليل، فلما رجعنا إلى الكوفة، وجدناه معافى، فسألناه عن حاله فقال: إن الأعراب لما انتهوا بي إلى مساكنهم، وهي على فراسخ، طرحوني في أواخر بيوتهم، فكنت أتمنى الموت، إلى أن رأيتهم يوما قد أخرجوا أفاعي اصطادوها، فقطعوا رؤوسها وأذنابها وشووها فقلت في نفسي: هؤلاء اعتادوا أكلها فلا تضرهم فلعلي إن أنا أكلت منها مت واسترحت، فاستطعمتهم فرمى إلي رجل منهم واحدة، فأكلتها فنمت نوما ثقيلا ثم استيقظت وقد عرقت عرقا شديدا واندفعت طبيعتي أكثر من مائة مرة، فلما أصبحت، وجدت
بطني قد ضمر فطلبت منهم مأكولا فأكلت، وأقمت عندهم إلى أن وثقت من نفسي بالشفاء ثم أخذت الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع