من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
أنطاكية
مدينة عظيمة من أعيان المدن على طرف بحر الروم بالشام. موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء، وفي داخلها مزارع وبساتين.
وانّها بنتها أنطاكية بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوح، ﵇، ذات سور وفصيل. ولسورها ثلاثمائة وستّون برجا، يطوف عليها أربعة آلاف حارس من عند صاحب القسطنطينة، يضمنون حراستها سنة ويستبدل بهم في السنة الثانية، وسورها مبني على السهل والجبل من عجائب الدنيا. دورتها اثنا عشر ميلا. وكلّ برج من أبراجها منزل بطريق فسكنه بخدمه وخوله، وجعل كلّ برج طبقات أسفله مرابط الخيل، وأوسطه منزل الرجال، وأعلاه موضع البطريق. وكلّ برج كحصن عليه أبواب حديد، وفيها ما لا سبيل إلى قطعه من الخارج. والمدينة دائرة نصفها سهليّ ونصفها جبليّ، وقطر الدائرة فاصلة بين السهليّ والجبليّ.
ولها قلعة عالية جدّا تتبيّن من بعد بعيد تستّر الشمس عن المدينة، فلا تطلع عليها إلّا في الساعة الثانية.
وبها بيعة القسيان، وهو الملك الذي أحيا ولده رئيس الحواريّين فطرس، كما جاء في القصّة في قوله تعالى: واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.
وعلى باب بيعة القسيان صحنان لساعات الليل والنهار، يعمل كلّ واحد اثنتي عشرة ساعة، وفي بيعة القسيان من الخدم والمسترزقة ما لا يحصى، ولها ديوان فيه بضعة عشر كاتبا. والمدينة خمس طبقات، على الطبقة الخامسة الحمامات والبساتين ومناظر حسنة، وسبب ذلك أن الماء ينزل من الجبل المطلّ عليها، وقد عملوا على الماء الحمامات والبساتين. وفيها من الكنائس ما لا يعدّ، كلّها معمولة بالفصّ المذهّب والزجاج الملوّن والبلاط المجزّع. وحماماتها
أطيب الحمامات لأن ماءها العذب السيح ووقودها الآس.
قال المسعودي: رأيت فيها من الماء ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف.
وحكي أنّه كان بأنطاكية إذا أخرج الإنسان يده إلى خارج السور وقع عليه البقّ، وإذا جذبها إلى داخل لا يبقى عليه شيء من البقّ، إلى أن كسروا عمودا من رخام، فوجدوا في أعلاه حقّة من النحاس فيها بقّ من نحاس مقدار كفّ، فبطلت تلك الخاصيّة من ذلك الوقت، فالآن يعمّ البقّ جميع المدينة.
وبها نوع من الفأر يعجز السنّور عنه.
وبها مسجد حبيب النجّار صاحب يونس، رحمة اللّه عليه، الذي قال:
يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين. فلمّا قتلوه أهلكهم اللّه تعالى بصيحة، وكان بأنطاكية مؤمنون وكفّار، فالصيحة ما أيقظت المؤمنين عن نومهم، وأهلكت الكفّار كما قال تعالى: ان كانت إلّا صيحة واحدة فإذا هم خامدون. ومسجد حبيب في وسط سوق أنطاكية، فيه قبره يزور الناس، وبها قبر يحيى بن زكرياء، ﵇.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع