تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

الإسكندريّة

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.

وهي المدينة المشهورة بمصر، على ساحل البحر. اختلف أهل السير في بانيها:

فمنهم من ذهب إلى أن بانيها الإسكندر الأوّل، وهو ذو القرنين أشك بن سلوكوس الرومي، الذي جال الأرض وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسدّ على يأجوج ومأجوج كما أخبر اللّه تعالى عنه، وكان إذا بلغ موضعا لا ينفذ اتّخذ هناك تمثالا من النحاس مادّا يمناه مكتوبا عليها: ليس ورائي مذهب.

ومنهم من قال بناها الإسكندر بن دارا ابن بنت الفيلسوف الرومي، شبّهوه بالإسكندر الأوّل لأنّه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأوّل كان مؤمنا والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاطاليس، وبين الأوّل والثاني دهر طويل.

قيل: إن الإسكندر لمّا همّ ببناء الإسكندريّة، وكانت قديما مدينة من بناء شدّاد بن عاد كان بها آثار العمارة والأسطوانات الحجريّة، ذبح ذبائح كثيرة للقرابين، ودخل هيكلا كان لليونانيّين وسأل ربّه أن يبيّن له أمر

هذه المدينة هل يتمّ أم لا؟ فرأى في منامه قائلا يقول له: إنّك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، وتختلط الرياح الطيّبة بهوائها ويصرف عنها السموم، ويطوى عنها شدّة الحرّ والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل، وان جبلت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر.

فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمدا كثيرة من الرخام، فأمر بحثّ الصّنّاع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها، فاختاروا وقتا وعلّقوا جرسا حتى إذا حرّك الجرس الصنّاع، يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد، فإذا هم مترقّبون طار طير وقع على الجرس فحرّكه فوضعوا البناء.

قيل ذلك للاسكندر فقال: أردت طول بقائها وأراد اللّه سرعة خرابها، ولا يكون إلّا ما أراد اللّه فلا تنقضوها. فلمّا ثبت أساسها وجنّ الليل خرجت من البحر دابّة وخربت ما بنوا، فلم يزل يحكمها كلّ يوم ويوكل بها من يحفظها، فأصبحوا وقد خربت. فأمر الإسكندر باتّخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجنّ، فاندفع عنها أذيّتهم.

قال المسعودي: الأعمدة التي للطلسم عليها صور وأشكال وكتابة باقية إلى زماننا، كلّ عمود طوله ثمانون ذراعا، عليها صور وأشكال وكتابة، فبناها الإسكندر طبقات تحتها قناطر بحيث يسير الفارس تحتها مع الرمح. وكان عليها سبعة أسوار، وهي الآن مدينة كثيرة الخيرات، قال المفسّرون: كانت هي المراد من قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّآ لقومكما بمصر بيوتا.

وكان بها يوم الزينة واحتجاج موسى والسحرة. وكان موسى قبل الإسكندر بأكثر من ألف سنة.

بها مجلس سليمان، ﵇، قال الغرناطي: إنّه خارج الإسكندريّة، بنته الجنّ منحوتا من الصخر بأعمدة الرخام لا مثل لها، كلّ عمود على قاعدة

من الرخام وعلى رأسه مثل ذلك، والرخام أبيض منقط بحمرة وسواد مثل الجزع اليماني، طول كلّ عمود ثلاثون ذراعا ودورته ثمانية أذرع، وله باب من الرخام وعتبته وعضادتاه أيضا من الرخام الأحمر الذي هو أحسن من الجزع، وفي هذا المجلس أكثر من ثلاثمائة عمود كلّها من جنس واحد وقدّ واحد، وفي وسط هذا المجلس عمود من الرخام على قاعدة رخاميّة، طوله مائة وإحدى عشرة ذراعا ودوره خمسة وأربعون شبرا، إني شبرتها بشبري.

ومن عجائبها عمود يعرف اليوم بعمود السواري قريب من باب الشجرة من أبواب الإسكندريّة، فإنّه عظيم جدّا كأنّه منارة عظيمة، وهو قطعة واحدة منتصب على قاعدة من حجر عظيم مربع، وعلى رأسه حجر آخر مثل القاعدة كأنّه بيت، فإن تحت ذلك من مقطعه وانتصابه ورفع الحجر الفوقاني على رأسه يدلّ على أن فاعليه كانوا في قوّة شديدة، وكانوا بخلاف أهل زماننا.

ومن عجائبها ما ذكر أبو الريحان في الآثار الباقية ان بالإسكندريّة أسطوانة متحرّكة، والناس يقولون إنّها تتحرّك بحركة الشمس، وإنّما قالوا ذلك لأنّها إذا مالت يوضع تحتها شيء، فإذا استوت لا يمكن أخذها، وإن كان خزفا أو زجاجا يسمع تقريعه، وكانت الإسكندريّة مجمع الحكماء، وبها كان معاريجهم مثل الدرج، يجلس عليها الحكماء على طبقاتهم فكان أوضعهم علما الذي يعمل الكيمياء، فإن موضعه كان على الدرجة السفلى.

ومن عجائبها المنارة أسفلها مربع من الصخر المنحوت، وفوق ذلك منارة مثمّنة، وفوق المثمّنة منارة لطيفة مدوّرة، طول الأولى تسعون ذراعا، والمثمّنة مثل ذلك، وطول اللطيفة المدوّرة ثلاثون ذراعا، وعلى أعلى المنارة مرآة وعليها موكّل ينظر إليها كلّ لحظة، فإذا خرج العدوّ من بلاد الروم وركب البحر، يراه الناظر في المرآة ويخبر القوم بالعدوّ فيستعدّون لدفعه. وكانت المرآة باقية إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فأنفذ ملك الروم شخصا من خواصه ذا دهاء، فجاء إلى بعض الثغور وأظهر أنّه هارب من ملك الروم ورغب في

الإسلام، وأسلم على يد الوليد بن عبد الملك واستخرج له دفائن من أرض الشام.

فلمّا صارت تلك الأموال إلى الوليد شرهت نفسه فقال له: يا أمير المؤمنين إن ههنا أموالا ودفائن للملوك الماضية. فسأله الوليد عن مكانه فقال: تحت منارة الإسكندريّة، فإن الإسكندر احتوى على أموال شدّاد بن عاد وملوك مصر والشام فتركها في آزاج وبنى عليها المنارة. فبعث الوليد معه قوما لاستخراجها فهم نقضوا نصف المنارة وأزيلت المرآة، فضجّت الناس من أهل الإسكندريّة. فلمّا رأى العلج ذلك وعلم أن المرآة أبطلت هرب بالليل في مركب نحو الروم وتمّت حيلته.

والمنارة في زماننا حصن عال على نيق جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة، بينها وبين البر نحو شوط فرس، ولا طريق إليها إلّا في البحر المالح، وهي مربّعة ولها درج واسعة يصعدها الفارس بفرسه. وقد سقّفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين للدرجة، فترتقي إلى طبقة عالية مشرفة على البحر بشرفات محيطة، وفي وسطه حصن آخر يرتقى إليه بدرجة أخرى فيصعد إلى طبقة أخرى لها شرفات، وفي وسطها قبّة لطيفة كأنّها موضع الديدبان.

وحكي أن عبد العزيز بن مروان لمّا ولّي مصر جمع مشايخها وقال: إني أريد أن أعيد بناء الإسكندريّة إلى ما كانت. فقالوا: انظرنا حتى نتفكّر. فقال:

أعينوني بالرجال وأنا أعينكم بالمال. فذهبوا إلى ناووس وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة ووزنوا سنّا من أسنانه فوجدوها عشرين رطلا على ما بها من

النخر والقدم، فقالوا: جئنا بمثل هؤلاء الرجال حتى نعيدها إلى ما كانت.

فسكت.

بها عين مشهورة بعين الإسكندريّة، فيها نوع من الصدف يوجد في كلّ وقت لا يخلو منه في شيء من الأوقات، يطبخ وتشرب مرقته تبرئ من الجذام.

واللّه الموفق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.