من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
إخميم
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
بلدة صغيرة عامرة بالنخيل والزروع على النيل الشرقي. من عجائبها الجبل الذي في غربيها، من أصغى إليه سمع صوتا كخرير الماء ولغطا شبيها بكلام، ولم تعرف حقيقة ذلك.
وبها البرابي التي هي من عجائب مصر. والبربا عبارة عن بيت عمل فيه شجر أو طلسم. وبربا اخميم بيت فيه صور ثابتة في الحجارة بادية إلى الآن موجود. ذكر في كتاب أخبار مصر انّه لمّا أغرق اللّه تعالى فرعون وجنوده في البحر، خلت مصر عن الرجال الأجناد. وكانت امرأة من بيت الفراعنة يقال لها دلوكة أرادت أن يبقى عليها اخميم، لا يطمع فيها الملوك لعدم الأجناد.
وكان في زمانها ساحرة يقدّمها سحرة مصر في علم السحر، يقال لها تدورة، فقالت لها دلوكة: احتجنا إليك في شيء تصنعينه يكون حرزا لبلادنا ممّن يرومه من الملوك، إذ بقينا بغير رجال. فأجابتها إلى ما أرادت وصنعت لها بربا، وهو بيت له أربعة أبواب إلى أربع جهات، وصوّرت فيها السفن والرجال والخيل والبغال والحمير وقالت: قد عملت لك شيئا يغنيك عن الرجال والسلاح والحصن، فإن من أتاكم من البر يكون على الخيل والبغال والحمير، وان من أتاكم من البحر يكون في السفن، فعند ذلك تحرّكت الصور التي هي مثلهم وتشاكلهم فما فعلتم بالصور أصابهم مثل ذلك في أنفسهم. فكان بعد ذلك إذا أتاهم عدوّ تحرّكت الصور فقطعوا سوق الدواب، وفقأوا عيون الرجال وبقروا بطونهم
فيصيبهم مثل ذلك. وهذه الحكاية وإن كانت شبه الخرافات لكنها في جميع كتب أخبار مصر مكتوبة والبيت باق إلى الآن.
وينسب إليها أبو الفيض ذو النون المصري ابن إبراهيم الاخميمي. انّه كان أوحد وقته علما وورعا وأدبا. وله حالات عجيبة أعجب من البرابي، حكى سالم بن عبد اللّه المغربي قال: سألت ذا النون عن سبب توبته فقال: انّه عجيب لا تطيقه! فقلت: وحقّ معبودك الّا أخبرتني! فقال: خرجت من مصر أريد بعض القرى، فنمت في بعض الطريق ففتحت عيني، فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض، فانشقّت الأرض فخرجت منها سكرّجتان إحداهما ذهب والأخرى فضّة، وفي إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا، فقلت: حسبي لزمت الباب حتى قبلني.
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
وحكى يوسف بن الحسين قال: بلغني أن ذا النون يعرف اسم اللّه الأعظم، فقصدت مصر وخدمته سنة ثمّ قلت له: أيّها الأستاذ أثبتّ عليك حقّ الخدمة، أريد أن تعرفني اسم اللّه الأعظم ولا تجد له موضعا مثلي. فسكت حتى أتى على هذا ستّة أشهر، ثمّ أخرج لي يوما طبقا ومكنّة مشدودا في منديل، وكان ذو النون بالجيزة، قال لي: أتعرف صديقنا فلانا بالفسطاط؟ قلت: نعم. قال:
أريد أن تؤدي إليه هذا. قال: فأخذت الطبق وامشي طول الطريق وأتفكّر في ذلك، فلم أصبر حتى حللت المنديل ورفعت المكنّة، فإذا فأرة على الطبق أفلتت ومرّت فاغتظت من ذلك وقلت له: إنّه يسخر بي! فرجعت إليه مغتاظا.
فلمّا رآني عرف ما في وجهي فقال: يا أحمق ائتمنتك على فأرة فخنتني! أفآتمنك على اسم اللّه الأعظم؟ مرّ عني لا أراك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
