من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فارس
الناحية المشهورة التي يحيط من شرقها كرمان، ومن غربها خوزستان، ومن شمالها مفازة خراسان، ومن جنوبها البحر، سمّيت بفارس بن الأشور
ابن سام بن نوح، ﵇، بها مواضع لا تنبت الفواكه لشدّة بردها كرستاق إصطخر، وبها مواضع لا يسكنها الطير لشدّة حرّها كرستاق الاغرسان.
وأمّا أهلها فذكروا أنّهم من نسل فارس بن طهمورث، سكان الموضع الذي يسمّى ايرانشهر، وهو وسط الإقليم الثالث والرابع والخامس، ما بين نهر بلخ إلى منتهى آذربيجان وأرمينية إلى القادسية وإلى بحر فارس. وهذه الحدود هي صفوة الأراضي وأشرفها لتوسّطها في قلب الأقاليم، وبعدها عمّا يتأذّى به أهل المشرق والمغرب والجنوب والشمال، وأهلها أصحاب العقول الصحيحة والآراء الراجحة والأبدان السليمة والشمائل الظريفة والبراعة في كلّ صناعة، فلذلك تراهم أحسن الناس وجوها وأصحّهم أبدانا وأحسنهم ملبوسا وأعذبهم أخلاقا وأعرفهم بتدبير الأمور!
جاء في التواريخ: ان الفرس ملكوا أمر العالم أربعة آلاف سنة: كان أوّلهم كيومرث وآخرهم يزدجرد بن شهريار الذي قتل في وقعة عمر بن الخطّاب بمرو، فعمروا البلاد وأنعشوا العباد.
وجاء في الخبر: ان اللّه تعالى أوحى إلى داود أن يأمر قومه أن لا يسبّوا العجم، فإنّهم عمروا الدنيا وأوطنوها عبادي.
وحسن سيرة ملوك الفرس مدون في كتب العرب والعجم، ولا يخفى أن المدن العظام القديمة من بنائهم وأكثرها مسمّاة بأسمائهم. وأخبار عدلهم وإحسانهم في الدنيا سائرة، وآثار عماراتهم إلى الآن ظاهرة.
زعم الفرس أن فيهم عشرة أنفس لم يوجد في شيء من الأصناف مثلهم ولا في الفرس أيضا: أوّلهم افريدون بن كيقباذ بن جمشيد، ملك الأرض كلّها وملأها من العدل والإحسان بعدما كانت مملوءة من العسف والجور من ظلم الضحاك بيوراسب، وما أخذه الضحاك من أموال الناس ردّها إلى أصحابها، وما لم يجد له صاحبا وقفه على المساكين، وذكر بعض النسّاب أن افريدون هو ذو القرنين الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه العزيز، لأنّه ملك المشرق والمغرب
وأمر بعبادة اللّه تعالى وكان ذا عدل وإحسان.
وثانيهم إسكندر بن دارا بن بهمن، كان ملكا عظيما حكيما حصل العلوم وعرف علم الخواص، وتلمذ لارسطاطاليس واستوزره وكان يعمل برأيه، وانقاد له ملوك الروم والصين والترك والهند، ومات وعمره اثنتان وثلاثون سنة وسبعة أشهر.
وثالثهم أنوشروان بن قباذ كسرى الخير، كثرت جنوده وعظمت مملكته وهادنته ملوك الروم والصين والهند والخزر، وروي عن النبي، ﵇، أنّه قال: ولدت في زمن الملك العادل! ومن عدله ما ذكر أنّه علق سلسلة فيها جرس على بابه ليحرّكها المظلوم، ليعلم الملك حضوره من غير واسطة فأتى عليها سبع سنين ما حرّكت.
ورابعهم بهرام بن يزدجرد ويقال له بهرام جور. كان من أحذق الناس بالرمي، لم يعرف رام مثله. ذكر أنّه خرج متصيّدا وكان معه جارية من أحظى جواريه، فظهر لهم سرب من الظباء فقال لها: كيف تريدين أن أرمي ظبية منها؟ قالت: أريد أن تلصق ظلفها بأذنها! فأخذ الجلاهق ورمى بندقة أصابت أذنها. فرفعت ظلفها تحكّ بها أذنها، فرمى نشّابة وخاط ظلفها بأذنها.
وخامسهم رستم بن زال الشديد، ذكروا أنّه لم يعرف فارس مثله. كان من أمره أنّه إذا لاقى في ألف فارس ألفين غلبهم، وإذا لاقى في خمسة آلاف فارس عشرة آلاف غلبهم، وإذا دعا إلى البراز وخرج إليه القرن يرفعه برمحه من ظهر الفرس ويرميه إلى الأرض.
وسادسهم جاماسب المنجم. كان وزيرا لكشتاسف بن لهراسب، لم يعرف منجم مثله حكم على القرانات وأخبر بالحوادث التي تحدث، وأخبر بخروج موسى وعيسى ونبيّنا، ﵇، وزوال المللّة المجوسيّة، وخروج الترك ونهبهم وقتلهم، وخروج شخص يقهرهم وكثير من الحوادث بعدهم، كلّ ذلك في كتاب يسمّى أحكام جاماسب بالعجميّة. وله بعد موته خاصّية عجيبة،
وهي ان قبره على تلّ بأرض فارس، وقدام التلّ نهر فمن زار قبره من الولاة راكبا يعزل، وأكثر الناس عرفوا تلك الخاصية فإذا وصلوا إلى ذلك النهر نزلوا.
وسابعهم بزرجمهر بن بختكان، كان وزير الأكاسرة، وكان ذا علم وعقل ورأي وفطنة، كان بالغا في الحكم الخطابيّة، ولمّا وضع الهند الشطرنج بعثوا به هدية إلى كسرى ولم يذكروا كيفية اللعب به، فاستخرجه بزرجمهر ووضع في مقابلته النرد وبعث به إلى الهند.
وثامنهم بلهبد المغنّي. فاق جميع الناس في الغناء، وكان مغنّيا لكسرى ابرويز، فإذا أراد أحد أن يعرض أمرا على كسرى وخاف غضبه ألقى ذلك الأمر إلى بلهبد، وبذل له حتى جعل لذلك المغني شعرا وصوتا، ويغني به بين يديه فعرف كسرى ذلك الأمر.
وتاسعهم صانع شبديز وسيأتي ذكره ودقّة صنعته في قرميسين في الإقليم الرابع.
وعاشرهم فرهاذ الذي تحت ساقية قصر شيرين، وهي باقية إلى الآن.
وأراد أن ينقب جبل بيستون، وسيأتي ذكره مبسوطا هناك إن شاء اللّه تعالى.
وبأرض فارس جمع يقال لهم آل عمارة لهم مملكة عريضة على سيف البحر. وهم من نسل جلندى بن كركر، وهو الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه المجيد: وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا. زعموا أن ملكهم كان قبل موسى، ﵇، وإلى زماننا هذا لهم بأس ومنعة وارصاد البحر وعشور السفن.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع