من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
سامرّا
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
مدينة عظيمة كانت على طرف شرقي دجلة بين بغداد وتكريت، بناها المعتصم سنة إحدى وعشرين ومائتين، وسبب بنائها أن جيوشه كثروا حتى بلغ مماليكه سبعين ألفا، فمدّوا أيديهم على حرم الناس. وإذا ركبوا انحطم كثير من الصبيان والعميان والضعفاء من ازدحام الخيل، فاجتمع عامّة أهل بغداد ووقفوا للمعتصم وقالوا: قد عمنّا أذى جيوشك! إمّا تمنعهم أو تقلبهم عنّا وإلّا حاربناك بدعاء السحر! فقال: اما تقلّبهم فلا يكون إلّا بتقلّبي، ولكني أوصيهم بترك الأذى، فما زادتهم الوصيّة إلّا زيادة الفساد، فوقفوا له مرّة أخرى وقالوا: إما تحوّلت عنّا وإلّا حاربناك بدعاء السحر! فقال: هذه الجيوش لا قدرة لي بها، نعم أتحوّل وكرامة. وساق من فوره حتى نزل سامرّا وبنى بها دارا وأمر عسكره بمثل ذلك حتى صارت أعظم بلاد اللّه بناء وأهلا. وأنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار، وجعل وجوه حيطانها كلّها المينا، وبنى المنارة التي كانت إحدى العجائب وحفر الاسحقي.
وبنى الملوك والأمراء بها دورا وقصورا، وبنى الخلفاء بها أيضا قصورا
عجيبة، وكان المعتصم والواثق والمتوكّل بنوا بها قصورا، والمتوكّل اشتقّ من دجلة قناتين شتويّة وصيفيّة، وتدخلان الجامع وتتخلّلان شوارع المدينة.
وفي جامعها السرداب المعروف الذي تزعم الشيعة ان مهديهم يخرج منه، لأنّهم زعموا أن محمّد بن الحسن دخل فيه، وكان على باب هذا السرداب فرس أصفر، سرجه ولجامه من الذهب إلى زمن السلطان سنجر بن ملكشاه.
جاء يوم الجمعة إلى الصلاة فقال: هذا الفرس ههنا لأيّ شيء؟ فقالوا: ليخرج من هذا الموضع خير الناس يركبه. فقال: ليس يخرج منه خير مني! وركبه.
زعموا أنّه ما كان مباركا لأن الغزّ غلبته وزال ملكه. ولم تزل سامرّا في زيادة عمارة من أيّام المعتصم إلى أيّام المستعين، فعند ذلك قويت شوكة الأتراك ووقعت المخالفة في الدولة، فلم تزل في نقص إلى زمان المعتضد باللّه، فإنّه انتقل إلى بغداد وترك سامّرا بالكلية، فلم يبق بها إلّا كرخ سامرّا وموضع المشهد والباقي خراب يباب، يستوحش الناظر إليها بعد ان لم يكن في الأرض أحسن ولا أجمل ولا أوسع ملكا منها. فسبحان من يقلّب الأمور ولا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والدهور! قال ابن المعتزّ:
غدت سرّ من را في العفاء فيا لهاقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
تفرّق أهلوها ولم يعف رسمهالما نسجته من جنوب وشمال
إذا ما امرؤ منهم شكا سوء حالهيقولون: لا تهلك أسى وتجمّل!
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
