من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
ساوه
مدينة طيّبة كثيرة الخيرات والثمرات والمياه والأشجار، في وهدة من الأرض. وكانت في قديم الزمان على ساحل بحيرة غاضت عند مولد النبيّ، ﷺ، ورأيت موضع البحيرة زرعوه شعيرا. وحدّثني بعض مشايخها انّه شاهد السفينة تجري فيها. وأهل ساوه مخصوصون بحسن الصورة
واستقامة الطبع، ومعرفة وزن الشعر وعلم الغناء، وذلك يترشح منهم حتى من نسائهم وصبيانهم، وكلّهم على مذهب الشافعي، ما فيها واحد يخالفهم إلّا الغريب.
وبها رباطات ومدارس ومارستانات والطاق الذي على باب الجامع، وهو طاق عال جدّا مثل طاق كسرى، على طرفيه منارتان في غاية العلوّ ليس في شيء من البلاد مثله. وفي وسط الجامع خزانة الكتب المنسوبة إلى الوزير أبي طاهر الخاتوني، فيها كلّ كتاب معتبر كان في زمانه مع أشياء نادرة من الخطوط المنسوبة والاصطرلابات والكرات.
ومن عجائبها أن الترنجبين يقع في كلّ ثلاثين سنة بأرضها على الشوك الذي يختصّ به، ويكثر حتى يجمع ويبتاع على الناس منه شيء كثير، وأنا شاهدت ذلك مرّة.
وينسب إليها القاضي عمر بن سهلان. كان أديبا فقيها حكيما خصّه اللّه تعالى بلطافة الطبع وفطانة الذهن، وفصاحة الكلام ومتانة البيان. جميع تصانيفه حسن، وكان معاصر الإمام حجّة الاسلام الغزالي.
ومن عجائب ما حكي من لطف اللّه تعالى في حقّه انّه قال: أردت الاشتغال بالعلوم وما كان لي مال ولم يبن في ذلك الوقت شيء من المدارس، وكان له خطّ في غاية الحسن، قال: كتبت ثلاث نسخ من كتاب الشفاء لأبي علي بن سينا، وكان إذ ذاك للشفاء رواج عظيم، بعت كلّ نسخة بمائة دينار وأودعت ثمنها ثلاثمائة دينار عند بزّاز صديق لي. وكلّما احتجت أخذت منها وأنفقت حتى غلب علي ظني اني استوفيتها، فانقطعت عنه، فرآني الرجل وقال: ما لي أراك تأخرت عن طلب النفقة؟ قلت: لأني استوفيتها! قال: لا، بعد أكثره باق! فكنت أمشي إليه بعد ذلك مرّة أخرى ثمّ انقطعت لمّا علمت اني استوفيت أكثر من مالي، فرآني وقال: ما سبب انقطاعك؟ قلت: جزاك اللّه عني خيرا! اني استوفيت أكثر من مالي! فقال: لا تنقطع فإنّه قد بقي منها بعد كثير!
فكنت أمشي مرّة أخرى مستحيا ثمّ انقطعت بالكلية، فرآني الرجل وسأل ان لا أنقطع فامتنعت، فلمّا أيس عن ذلك أخرج من كمّه ثلاثمائة دينار وقال:
هذا رأس مالك والذي أخذته مكسبها، لأني كنت أتجر لك عليها، وللّه تعالى الحمد إذ وفّقني لبعض قضاء حاجة مثلك.
وينسب إليها القاضي عدّة. كان واعظا ظريفا حلو الكلام يرى الملوك له.
حكي انّه كان يعقد مجلس الوعظ بهمذان، وينفي التشبيه والقوم لم يقدروا عليه لمكانته عند السلطان، فكانوا يكتبون إليه رقاعا ويشتمونه فيها في نفسه وأهله وأولاده، وهو يقول: قد كتبوا كيت وكيت وهذا ممكن، لكن وجود الإله على العرش محال!
وحكي أن بعض الملوك أراد رسولا يبعثه إلى ملك آخر، فعيّنوا على القاضي عدّة فقالوا: انّه جيّد لكنّه يفسد الرسالة بطلب المال! فقال: حلّفوه أن لا يطلب شيئا! فحلفوه وبعثوه، فلمّا ذهب إليهم صبر أيّاما لم يبعث إليه أحد شيئا غير المرسل إليه، فعقد مجلسا وقال: يا قوم، إن مرسلي حلّفني أن لا أطلب من أحد شيئا، فقولوا أنتم من حلّفكم أن لا تبعثوا إليّ شيئا؟ وله حكايات عجيبة من هذا الجنس، وبهذا مقنع.
وينسب إليها التاج محمّد الواعظ المعروف بشجويه. كان واعظا فقيها حلو الكلام عذب اللهجة، ذا قبول عند الخواص والعوام، وكان وعظه معائب طبقات الناس، فإذا حضر ملك يقول: أيّها الملك، ماذا تقول في عبد لبعض الملوك، اصطفاه سيّده في حال هوانه وأفاض إليه أنواع إحسانه، وفوّض إليه أمر البلاد وجعل بيده أزمّة العباد، ثمّ ان هذا العبد خرّب بلاده وقهر بالظلم عباده، وخالف أمر سيّده وعصى وتجاوز عن حدّه واعتدى، فهل يستحقّ هذا العبد من سيّده إلّا العذاب العظيم والعقاب الأليم؟ ثمّ قال: أنت ذلك العبد أيّها الملك، إن اللّه اصطفاك على العباد وجعل بيدك أمر البلاد، وأمرك بالعدل والإحسان ونهاك عن الظلم والطغيان، وأنت نهارك مصروف في غصب
الأموال وسفك الدماء، وليلك بالفسق والفجور، فما استحقّ من اللّه تعالى كفى بنفسك! وكان يقول في العالم: أيّها العالم إذا جاءك المستفتي تقول لا مساغ لسؤالك في الشرع أصلا، وإذا ترك القرطاس تحت المصلّى يكون ذلك وجها عن الصيدلاني أو الكرابيسي أو الإصطخري. ويقول في المتصوّفية: أيّها الشيخ إذا حضرت الدعوة تأكل أكل البعير ولو كان حراما، وتسمّي ابن صاحب المنزل شاهدا وزوجته سكرجة، وتترك العفاف خلف الزلى. وهذا من اصطلاحات الصوفية، والعفاف ليس يتخذونه لمذاكيرهم بتركه خلف الزلى. وفي اليوم الثاني يمشي يقول: فقير قد نسي خرقة خلف الزلى، ليعرفهم أنّه صاحب العفاف الكبير، فمن له إليه حاجة يطلبه، فكان يتّخذ لكلّ طبقة من طبقات الناس عيبا على هذا المثال.
وينسب إليها جماعة ما كان لهم نظير في وقتهم مثل عماد الملك، وزير السلطان خوارزمشاه، كان وزيرا ذا رأي وعلم.
وتاج الدين كمالان. كان عالما ذا فنون من الخلاف والأصول والمذهب.
وبها المسكوي الطبيب. كان طبيبا فاضلا وحيد دهره.
وسعد المغني فإنّه جمع بين الصوت والصنعة، وله أقوال يتعجّب منها أهل تلك الصنعة.
ومنها رتك المصارع. طاف أكثر البلاد وصارع كلّ مصارع فيها وغلبه ولم يغلب قطّ.
ومنها الصفي كانون الشطرنجي، فإنّه كان يطرح الفرس لمن كان في الطبقة العالية.
ومن عاداتهم المحاجزة، وهي أن القوم إذا كان فصل الربيع كلّ جمعة بعد الصلاة خرج من محلّتين من كلّ واحدة منهما مائتان أو ثلاثمائة غلام، يلتقون صفّين عراة ويتلاكمون أشدّ الملاكمة، ولا يزال كذلك إلى أن ينهزم أحد الصفّين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع