من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
عزّان
مدينة كانت على الفرات للزّبّاء بنت مليح بن البراء. قتله جذيمة الأبرش صاحب الحيرة، فلحقت الزباء بالروم وجمعت الرجال وبذلت الأموال، وعادت إلى ملك أبيها وأزالت جذيمة عنها، وبنت على طرف الفرات مدينتين متقابلتين من شرقيّ الفرات وغربيّه، وجعلت بينهما نفقا تحت الفرات فكانت إذا رهقها الأعداء أوت إليه، وجرت بينها وبين جذيمة مهادنة؛ قال ابن الكلبي: لم يكن في نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها فارغة، وكانت تسحب شعرها وراءها إذا مشت وإذا نشرته جلّلها، فسمّيت الزّبّاء. فأراد جذيمة أن يتزوّجها ويضمّ ملكها إلى ملكه، فخطبها فأجابته على شرط أن يصير إليها. وكان لجذيمة وزير اسمه قصير. قال لجذيمة: لا تمش إلى هذه المرأة فإني لست آمنها عليك! فقال: لا يطاع لقصير أمر! فأرسلها مثلا. فلمّا دخل عليها أمرت جواريها فأخذن يده. قالت له: أيّ قتلة تريد أن أقتلك؟ فقال: إن كان لا بدّ فاقتليني قتلة كريمة! فأطعمته حتى شبع، وسقته حتى ثمل، وفصدت شريانه حتى نزف دمه ومات. فبلغ قصيرا خبره فجدع أنف نفسه وأظهر أنّه جدعه عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، لأنّه أشار إليه بتزويج الزّبّاء. فراسل قصير الزّبّاء وأطمعها في ملك جذيمة، فركبت إليه وصار قصير إليها بأمان، وأخبرها بسعة التجارات، فدفعت إليه مالا فأتاها بربح كثير، ثمّ زادته في المال فأتاها بربح عظيم، فأنست به وجعلته من بطانتها. وأخبرته: اني حفرت من قصري على الفرات هذا إلى القصر الآخر على الجانب الآخر من الفرات سربا تحت الماء، وجعلت باب السرب تحت سريري هذا ومخرجه تحت سريري الآخر، فإن راعني أمر خرجت إلى الجانب الآخر. فحفظه قصير ومضى بالمال وحصل ألفي رجل
في ألفي صندوق على ألف جمل، وعلى الرجال الدروع ومعهم السيوف، وأقبل بهم إلى الزّبّاء. فلمّا قرب من مدينتها صعدت الزّبّاء سور مدينتها تنظر إلى العير مثقلة فقالت:
ما للجمال مشيها وئيدا؟أجندلا يحملن أم حديدا؟
أم صرفانا باردا شديدا؟أم الرّجال جثّما قعودا؟
فجاء قصير بالعير ودخل المدينة فأناخ الجمال وثار الرجال من الصناديق بالسيوف وضربوا من أدركوه، فلمّا علمت الزبّاء قصدت السرب لتدخل فيه، فبادرها عمرو بن عدي، وكان من رجال الصناديق، وقف على باب السرب بالسيف فعلمت انّه قاتلها، فمصّت سمّا تحت خاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو! فأرسلته مثلا. ومن الأمثال: لأمر ما جدع قصير أنفه!
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع