من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
طوس
مدينة بخراسان بقرب نيسابور مشهورة، ذات قرى ومياه وأشجار، والمدينة تشتمل على محلّتين، يقال لإحداهما طابران، والأخرى نوقان. وفي جبالها معادن الفيروزج، وينحت منها القدور البرام وغيرها من الآلات والظروف حتى قال بعضهم: قد ألان اللّه لأهل طوس الحجر كما ألان لداود، ﵇، الحديد.
منها جمع عقم الزمان بمثلهم ممّن ينسب إليها الوزير نظام الملك الحسن
ابن عليّ بن إسحاق، لم ير وزير أرفع منه قدرا ولا أكثر منه خيرا ولا أثقب منه رأيا. وكان مؤيّدا من عند اللّه. حكي أن قيصر الروم جاء لقتال السلطان الب أرسلان فقال السلطان لنظام الملك: ماذا ترى؟ يقولون عسكره أكثر من عسكرنا! فقال نظام الملك: ليس النصر من الكثرة إنّما النصر من عند اللّه، نحن نتوكّل على اللّه ونلتقيه يوم الجمعة وقت تقول الخطباء على المنابر: اللهمّ انصر جيوش المسلمين! ففعلوا ذلك فنصرهم اللّه.
وحكي أن السلطان الب أرسلان دخل مدينة نيسابور، فاجتاز على باب مسجد فرأى جمعا من الفقهاء على باب ذلك المسجد في ثياب رثّة، لا خدموا للسلطان ولا دعوا له، فسأل السلطان نظام الملك عنهم فقال: هؤلاء طلبة العلم وهم أشرف الناس نفسا، لا حظّ لهم من الدنيا، ويشهد زيّهم على فقرهم.
فأحسّ بأن قلب السلطان لان لهم، فعند ذلك قال: لو أذن السلطان بنيت لهم موضعا وأجريت لهم رزقا ليشتغلوا بطلب العلم ودعاء دولة السلطان! فأذن له، فأمر نظام الملك ببناء المدارس في جميع مملكة السلطان، وأن يصرف عشر مال السلطان الذي هو مختصّ بالوزير في بناء المدارس، وهو أوّل من سنّ هذه السنّة الحسنة.
وحكى نظام الملك في كتابه سير الملوك أن بعض المفسدين قال للسلطان ملكشاه: ان في معيشك أربعمائة ألف فارس، وأمر المملكة يتمشّى بسبعين ألفا، فإن سبعين ألفا لم يغلبوا من القلّة، فلو أسقطتهم امتلأت الخزانة من المال! ومال السلطان إلى قوله، فلمّا عرفت ذلك قلت للسلطان: هذا قول من أراد إثارة الفتنة وفساد المملكة! إن ملكك خراسان وما وراء النهر إلى كاشغر وبلاد غور وخوارزم واللان وارّان وآذربيجان، والجبال والعراق وفارس وكرمان والشام وارمن وأنطاكية، وانّها إنّما تبقى محفوظة بهذه العساكر، ولم يذكر أن دولة الخلفاء العظام والملوك الكبار قد خلت من خروج خارجي وظهور مخالف، وهذه الدولة المباركة بسعادة السلطان سلمت عن الكدورات،
فلو كانت العساكر ثمانمائة ألف لكانت السند والهند والصين ومصر والبربر والحبشة والروم أيضا في طاعتنا. ثمّ ان السلطان ان أثبت سبعين ألفا وأسقط ثلاثمائة وثلاثين ألفا، فالساقطون ليسوا أصحاب حرف يشتغلون بصنعتهم، يجتمعون على يد واحد، ويدخلون تحت طاعته، فنشأ من ذلك فساد عظيم ويكون الخصم في ثلاثمائة وثلاثين ألفا ونحن في سبعين ألفا، فتمشي الأموال وتهلك، ويكون ذلك نتيجة نصيحة هذا الناصح الذي ينصح بجمع الأموال وتفريق الرجال.
وحكي انّه كان شديد التعصّب على الباطنيّة، وقد خرج من أصفهان وبه عقابيل المرض في العمارية. فلمّا وصل إلى قرية من قرى نهاوند يقال لها قيدسجان، تعرّض له رجل ونادى: مظلوم! مظلوم! فقال الوزير: ابصروا ما ظلامته.
فقال: معي رقعة أريد أسلمها إلى الوزير! فلمّا دنا منه وثب عليه وضربه بالسكّين، وكانت ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فحمل إلى أصفهان ودفن في مدرسته.
وينسب إليها الإمام حجّة الإسلام أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزّالي.
لم تر العيون مثله لسانا وبيانا وخاطرا وذكاء وعلما وعملا. فاق أقرانه من تلامذة إمام الحرمين، وصار في أيّام إمام الحرمين مفيدا مصنّفا، وإمام الحرمين يظهر التبجّج به. وكان مجلس نظام الملك مجمع الفضلاء، فوقع لأبي حامد في مجلسه ملاقاة الفحول ومناظرة الخصوم في فنون العلوم، فأقبل نظام الملك عليه وانتشر ذكره في الآفاق، فرسم له تدريس المدرسة النظامية ببغداد، وصنّف كتبا لم يصنّف مثلها، ثمّ حجّ وترك الدنيا واختار الزهد والعبادة، وبالغ في تهذيب الأخلاق ودخل بلاد الشام، وصنّف كتبا لم يسبق إلى مثلها كإحياء علوم الدين، ثمّ عاد إلى خراسان مواظبا على العبادات إلى أن انتقل إلى جوار الحقّ بطوس سنة خمس وخمسمائة عن أربع وخمسين سنة. قيل: ان تصانيفه وزّعت على أيّام عمره فأصاب كلّ يوم كراس.
حكى الشيخ أبو الفتح عامر الساوي قال: كنت بمكّة سنة خمس وأربعين وخمسمائة، فبينا أنا بين النوم واليقظة إذ رأيت عرضة عريضة فيها ناس كثيرون، وفي يد كلّ واحد مجلّد يحلقون على شخص فقالوا: هذا رسول اللّه، ﷺ! وهؤلاء أصحاب المذاهب يعرضون مذاهبهم عليه. فبينا أنا كذلك إذ جاء واحد بيده كتاب قيل إنّه هو الشافعي، فدخل وسط الحلقة وسلّم على رسول اللّه، ﷺ، فردّ الجواب عليه وهو، ﵇، في ثياب بيض، على زيّ أهل التصوّف، فقعد الشافعي بين يديه وقرأ من كتاب مذهبه واعتقاده عليه، ثمّ جاء بعده رجل آخر قالوا انّه أبو حنيفة، وبيده كتاب، فسلّم وقعد بجنب الشافعي وقرأ مذهبه واعتقاده، ثمّ يأتي صاحب كلّ مذهب حتى لم يبق إلّا القليل، وكلّ يقرأ ويقعد بجنب الآخر. ثمّ جاء واحد من الروافض وبيده كراريس غير مجلدة، فيها مذهبهم واعتقادهم، وهمّ أن يدخل الحلقة، فخرج واحد ممّن كان عند رسول اللّه، ﷺ، وأخذ الكراريس ورماها خارج الحلقة وطرده وأهانه. فلمّا رأيت أن القوم قد فرغوا قلت: يا رسول اللّه، هذا الكتاب معتقدي ومعتقد أهل السنّة، لو أذنت لي قرأت عليك. فقال، ﷺ: أي شيء ذلك؟ قلت: قواعد العقائد للغزالي. فأذن لي بالقراءة، فقعدت وابتدأت: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الهادي صفوة العبيد إلى النهج الرشيد، والملك الشديد، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم من ظلمات التشكيك والترديد، إلى أن وصلت إلى قوله: وانّه تعالى بعث الأمي القرشي محمّدا، ﷺ، إلى العرب والعجم كافة من الجنّ والانس، فرأيت البشاشة في وجه رسول اللّه، ﷺ، فالتفت إليّ وقال: أين الغزالي؟ كأنّه كان واقفا في الحلقة! فقال: ها أنا ذا يا رسول اللّه! فقدم وسلّم على رسول اللّه، ﵇، فردّ عليه الجواب وناوله يده المباركة. فصار الغزالي يقبّل
يده المباركة ويضع خدّيه عليها تبرّكا بها، فما رأيت رسول اللّه، ﵇، أكثر استبشارا بقراءة أحد مثل استبشاره بقراءتي، فسأل اللّه تعالى أن يميتنا على عقيدة أهل الحقّ، وأن يحشرنا مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، قال الأبيوردي:
بكى على حجّة الإسلام حين ثوىمن كلّ حيّ عظيم القدر أشرفه
مضى وأعظم مفقود فجعت بهمن لا نظير له في النّاس يخلفه
وينسب إليها ملك الابدال أحمد بن محمّد بن محمّد الغزالي. كان صاحب كرامات ظاهرة. كان أخوه حجّة الإسلام يقول: ما حصل لنا بطريق الاشتغال ما حصل لأحمد بطريق الرياضة. حكي أن الشيخ محمّدا كان يصلّي والشيخ أحمد حاضر، فلمّا فرغ من صلاته قال له: أيّها الأخ قم أعد صلاتك، لأنّك كنت في الصلاة تحاسب حساب البقال!
وحكي أن السلطان ملكشاه كان مريدا للشيخ أحمد، فذهب ابنه سنجر إلى زيارة الشيخ، وكان حسن الصورة جدّا، فالشيخ قبّله في خدّه، فكره الحاضرون ذلك وذكروه للسلطان فقال السلطان لابنه سنجر: الشيخ قبّل خدّك؟ قال: نعم. قال: ملكت نصف الأرض، ولو قبّل الجانب الآخر ملكت كلّها! وكان الأمر كذلك.
وحكي أن رجلا أراد أن يأخذ امرأة خاطئة ليلة بأجرة معلومة، فالشيخ زاد في أجرتها وأخذها إلى بيته وأقعدها في زاوية من البيت، واشتغل هو بالصلاة إلى الصباح. فلمّا كان النهار وقد أعطاها أجرتها قال لها: قومي واذهبي إلى حيث شئت! وغرضه دفع الزنا عنهما، رحمة اللّه عليه ورضوانه.
وينسب إليها الحكيم الفردوسي. كان من دهاقين طوس له ملك في ضيعة يظلمه عامل الضيعة، فذهب إلى باب السلطان محمود بن سبكتكين لدفع ظلم العامل، وكان يطلب وسيلة. قيل له: الشعراء مقربون الآن لأن السلطان يريد
أن يجعلوا له تاريخ ملوك العجم منظوما، وأقربهم إلى السلطان العنصري، فطلبه الفردوسي فوجده في بستان ومعه الفرخي والعسجدي، فذهب إليهم وسلّم وجلس عندهم فقالوا: نحن شعراء لا نجالس إلّا من كان مثلنا! فقال: أنا أيضا شاعر! فقالوا: أجز معنا هذا البيت:
قال العنصري:
جون روي تو خورشيذ نباشذ روشن
قال الفرخي:
مانند رخت كل نبود در كلشن
قال العسجدي:
مر كانت همي كذر كند بر جوشن
قال الفردوسي:
مانند سنان كيو در جنك بشن
فقالوا: ما أدراك بحال كيو وجنك بشن؟ قال: أنا عارف بوقائع ملوك العجم. فاستحسنوا ما أتى به الفردوسي، وذكروه عند السلطان، فأعطى السلطان لكلّ شاعر جزاء وأعطى للفردوسي أيضا جزاء. فرأوا شعر الفردوسي خيرا من شعرهم، وكان شعر كلّ واحد لا يشابه شعر الآخر، لأن شأنها كان فصيحا وشأنها كان ركيكا، فقال: إني أتولّى نظم الكتاب كلّه ولا حاجة إلى غيري! فنظم الكتاب من أوّل زمان كيومرث، وهو أوّل ملك ملك إلى زمان يزدجرد بن شهريار، آخر ملوك العجم، في سبعين ألف بيت مشتملا على الحكم والمواعظ والزواجر والترغيب والترهيب، بعبارة فصيحة، وحمل الكتاب إلى السلطان فأعجبه وأمر له بحمل فيل ذهبا. فقال الوزير: جائزة شاعر حمل فيل ذهبا كثير، ألا حمل فيل فضة؟ وكان الفردوسي يطمع بمنصب رفيع
من المناصب مثل الوزارة، فلمّا رأى حمل فيل فضّة اشترى به فقاعا وشربه، وألحق بالكتاب هذه الأبيات الثلاثة:
برين سال بكذشت از سي وبنجبدرويشي وناتواني ورنج
بذان تا بيري مرا بر دهذمرا شاه مر تخت واسفر دهذ
جو اندر نهاذش بزركي نبوذنيارست نام بزركان شنوذ
وحكي أن الشيخ قطب الدين أستاذ الغزالي اجتاز على قبر الفردوسي مع أصحابه، فقال بعضهم: نزور الفردوسي! فقال الشيخ: دعه فإنّه صرف عمره في مدح المجوس! فرأى ذلك القائل الفردوسي في نومه يقول له: قل للشيخ لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الانسان قتورا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع