تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

طبرستان (٢)

بلاد معروفة، والعجم يقولون مازندران، وهي بين الري وقومس وبحر الخزر.

أرضها كثيرة الأشجار والمياه والأنهار إلّا أن هواءها وخم جدّا. حكي أن بعض الأكاسرة اجتمع في حبسه جناة كثيرون، فقال وزيره: غرّبهم إلى بعض البلاد ليعمّروها، فإن عمروها كان العمران لك، وان تلفوا برئت من دمهم!

واختار أرض طبرستان، وهي يومئذ جبال وأشجار، فأرادوا قطع الأشجار فطلبوا فؤوسا والفأس بالعجميّة تبر، فكثرت بها الفؤوس فقالوا: طبرستان، وطبر معرب تبر. وقالوا: كانت أيمانهم مغلولة فكانوا يعملون بشمالهم، فلهذا ترى فيها أكثرهم عسرا. ونفوا الفواجر أيضا إليها فتزوّجوا بهنّ، فلهذا قلّة الغيرة بينهم. وأكثرهم يتعانون تربية دود القزّ فيرتفع منها الإبريسم الكثير ويحمل إلى سائر البلاد.

وبها الخشب الخلنج، يتّخذ منه الظروف والآلات والأطباق والقصاع ثمّ يحمل إلى الري، وصناع بلد الري يجعلونه في الخرط مرّة أخرى حتى يبقى لطيفا ويزوّقونه، ومن الري يحمل إلى سائر البلاد، ومن هذا الخشب تتّخذ النشاشيب الجيّدة. وبها المآزر والمناديل الرفيعة الطبرية تحمل منها إلى سائر البلاد، وكذلك الثياب الابريسمية والأكسية والصوف.

وبها شجر إذا ألقيت شيئا من خشبها في الماء يموت ما فيه من السمك وتطفو.

وبها جبل طارق؛ قال أبو الريحان الخوارزمي: بطبرستان جبل فيه مغارة فيها دكّة تعرف بدكّان سليمان بن داود، ﵇، إذا لطخت بشيء من الأقذار انفتحت السماء ومطرت حتى تزيل الأقذار منها؛ وهذا في الآثار الباقية من تصانيف أبي الريحان الخوارزمي. وقال صاحب تحفة الغرائب: بها حشيش يسمّى جوز ماثل من قطعه ضاحكا وأكله غلب عليه الضحك، ومن قطعه باكيا وأكله في تلك الحالة يغلب عليه البكاء، ومن قطعه راقصا وأكله كذلك على كلّ حال قطعه وأكله تعلب عليه تلك الحالة.

حكى أبو الريحان الخوارزمي أن أهل طبرستان أجدبوا في أيّام الحسن ابن زيد العلوي، فخرجوا للاستسقاء فما فرغوا من دعائهم حتى وقع الحريق في أطراف البلد، وبيوتهم من الخشب اليابس، فقال أبو عمر في ذلك:

خرجوا يسألون صوب غمامفأجيبوا بصيّب من حريق!
جاءهم ضدّ ما تمنّوه إذجاءت قلوب محشوّة بالفسوق!

وحكى الشيخ الصالح محمّد الهمداني قال: رأيت بطبرستان أمرا عجيبا من الأمور، وهو: شاهدت بطبرستان دودة إذا وطئها من كان حامل ماء صار الماء مرّا، وأعجب من هذا انّه لو كان خلف الواطئ حمال الماء صار كلّ المياه مرّا، ولو كانوا مائة، فترى نساءهم يحملن الماء من النهر في الجرار وقدّامهن واحدة معها مكنسة تكنس الطريق، والنساء الحاملات للماء يمشين على خطّ واحد كالإبل المقطرة.

وحكى علي بن رزين الطبري، وكان حكيما فاضلا، قال: عندنا طائر يسمّونه ككو، وهو على حجم الفاختة وذنبه ذنب الببغاء، يظهر أيّام الربيع، فإذا ظهر نبعه صنف من العصافير موشّاة الريش يخدمه طول نهاره، يأتي له بالغداء فيزقّه، فإذا كان آخر النهار وثب على ذلك العصفور وأكله، وإذا أصبح صاح فجاء آخر فإذا أمسى أكله، فلا يزال كذلك مدّة أيّام الربيع، فإذا زال الربيع فقد ذلك النوع واتباعه إلى الربيع القابل.

وينسب إليها أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، صاحب التفسير والتاريخ الطبري والمصنّفات الكثيرة، وكان كثيرا ما ينشد:

أأقتبس الضّياء من الضّرابوألتمس الشّراب من الشراب؟
أريد من الزّمان النّذل بذلاوأريا من جنى سلع وصاب!
للشاعر المعافى بن زكريا، اقرأ القصيدة
أأرجو أن ألاقي لاشتياقيخيار النّاس في زمن الكلاب؟

وينسب إليها أبو الحسن المعروف بالكيا الهراسي. كان عالما فاضلا تالي أبي حامد الغزّالي، إلّا أن الغزالي أثقب منه ذهنا وأسرع بيانا وأصوب خاطرا.

كان مدرسا بالمدرسة النظاميّة ببغداد، دخل ديوان الخليفة والقاضي أبو الحسن اللّمغاني كان حاضرا ما قام له، فشكا إلى الخليفة الناصر لدين اللّه، فقال الخليفة:

إذا دخل القاضي أنت أيضا لا تقم له! ففعل ذلك ونظم هذين البيتين:

حجاب وحجّاب وفرط حماقةومدّ يد نحو العلى بالتّكلّف
فلو كان هذا من وراء تكلّفلهان ولكن من وراء التّخلّف

فشكا القاضي إلى الخليفة، فأمر الكيا أن يمشي إليه ويعتذر، فقال الكيا:

واللّه لأمشينّ على وجه يودّ لو كنت لم أمش! فلمّا وصل إلى باب دار القاضي أخبر القاضي بأن الكيا جاء إليه، فقام واستقبله وواجهه بالكلية. قال الكيا:

حفظ اللّه الخليفة فإنّه تارة يشرّفنا وتارة يشرف بنا! فانكسر ابن اللمغاني انكسارا شديدا. فلمّا مات الكيا وقف ابن اللمغاني عند دفنه وقال:

فما تغني النّوادب والبواكيوقد أصبحت مثل حديث أمس!

ومن عجائب ما حكي أن بعض السلاطين غضب على صاحب طبرستان، فبذل الطبري جهده في إزالة ذلك، فما أمكنه. فبعث السلطان إليه جيشا كثيفا، فعلم الطبري أن الجيش لا ينزلون إلّا بغيضة معيّنة تحت جبل، فأمر بقطع أشجار تلك الغيضة وتركها كما كانت قائمة، وستر موضع القطع بالتراب. فلمّا وصل الجيش ونزلوا بها كمن الطبري هو وأصحابه خلف ذلك الجبل، وشدّ الجيش دوابهم في أشجار تلك الغيضة وكانت كلّها مقطوعة، فخرج عليهم الطبري بأصحابه وصاح بهم، فنفرت الدواب وتساقطت الأشجار لأن الدواب جرّتها فولّى الجند هاربين فزعين لا يلوي أحد إلى أحد، وتبعهم الطبري بالقتل والأسر، فنجا أقلّهم وتلف أكثرهم. فلمّا رجعوا إلى السلطان سألهم عن شأنهم فقالوا: نزلنا بالموضع الفلاني، أتانا في جنح الليل جند من الشياطين تضربنا بالأشجار الطويلة! فلم يجسر أحد من المتقوّمين بعد ذلك على المشي إلى طبرستان!

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.