من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
شيز
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
مدينة بآذربيجان بين المراغة وزنجان، قال مسعر بن مهلهل: بها معدن الذهب والفضّة والزئبق والزرنيخ الأصفر والاسرب. ولها سور محيط بها. وفي وسطها بحيرة لا يدرك قعرها. وإني أرسيت فيه أربعة عشر ألف ذراع وكسورا من ألف ما استقرّ، واستدارتها نحو جريب بالهاشمي. ومتى بلّ بمائها تراب صار لوقته حجرا صلدا.
بها بيت نار عظيم الشأن عند المجوس، منها تذكى نيران المجوس من المشرق إلى المغرب، وعلى رأس قبّته هلال فضّة قيل هو طلسم حاول كثير من المتغلّبين قلعه فلم يقدروا. ومن عجائب هذا البيت انّهم يوقدون منه منذ سبعمائة سنة، فلا يوجد فيه رماد البتّة ولا ينقطع الوقود عنه ساعة من الزمان.
ومن عجائب هذه المدينة انّه إذا قصدها عدوّ ونصب المنجنيق عليها فإن حجر المنجنيق يقع خارج السور ولا يصل إليه، وإن كان يرمى إليه من مسافة ذراع.
إلى ههنا كلام مسعر، وكان رجلا سياحا طاف البلاد ورأى عجائبها، وأكثر عجائب البلدان منقول منه.
وحكى غير مسعر أن بالشيز نار اذرخس، وهي نار عظيمة عند المجوس كان إذا الملك منهم زارها أتاها راجلا.
وينسب إليها زرادشت نبيّ المجوس، قيل: انّه كان من شيز، ذهب إلى جبل سبلان معتزلا عن الناس وأتى بكتاب اسمه باستا، وهو بالعجميّة لم يفهم معناه إلّا من المفسر. وأتى يدّعي النبوة في عهد كشتاسف بن لهراسف ابن كيخسرو، ملك الفرس، وأراد الوصول إليه فلم يتمكّن من ذلك، وكان كشتاسف جالسا في إيوان فانشقّ سقف الإيوان ونزل زرادشت منه، والناس الذين كانوا عند الملك ما بين هارب ومغشي عليه، والملك ما تحرّك عن مكانه وقال له: من أنت؟ فقال زرادشت: إني رسول اللّه إليكم! فقال الملك:
نحن وإن رأينا هذا العجب، يعني النزول من السقف، لكن لا نقتصر على ذلك بل عندنا علماء وحكماء يناظرونك، فإن شهدوا لك الحقّ اتبعناك! فرضي زرادشت به وأمر الملك العلماء والحكماء في ذلك الزمان أن يسمعوا كلامه ويعرّفوا الملك. فسمعوا كلامه وقالوا للملك: سمعنا كلامه وانّه مستقيم ولم يبق إلّا شيء واحد، وهو طلب معجزة على نبوته، فقالوا: اخترنا أن نطلي بدنه بما أردنا من الأدوية ونأخذ شيئا من النحاس المذاب ونشدّ وثاقه ونصبّ ذلك القطر عليه، فإن تلف فقد كفينا أمره، وإن سلم من ذلك فيجب علينا متابعته. فرضي زرادشت بذلك، واختار الملك هذا الرأي، فعرّوه وشدّوا وثاقه، وصبّوا عليه قطرا فصار القطر كرات وتشبّثت بكلّ شعرة كرة، وما ضرّ به شيء، ومع المجوس من تلك الكرات يتبرّكون بها. فعند ذلك قالوا: لم يبق إلّا إجابة دعوته! فأمر في جميع مملكة كشتاسف ببناء بيوت النار، وجعل النار قبلة لا إلها، وبقيت تلك الملّة إلى مبعث رسول اللّه، ﷺ، والآن يقولون بأرض سجستان منها بقيّة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
