من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
صيمرة
كورة بها عدّة قرى من أعمال البصرة على فم نهر معقل. أهلها موصوفون بقلّة العقل حتى جاءهم رجل يقال له ابن شاس في حدود سنة خمسين وأربعمائة، وادّعى أنّه إله فعبدوه!
ينسب إليها أبو العنبس، وهو محمد بن إسحاق، كان شاعرا أديبا ظريفا ذا تصانيف في الهزل والنزهات، وقد حظي بذلك عند المتوكّل. حكي أنّه مات له حمار فحزن عليه ورثاه بمرثية وقال: رأيته في النوم، قلت: يا حماري! أما أحسنت علفك وماءك؟ فقال: ما متّ إلّا في عشق أتان رأيتها في الموضع الفلاني ومنعتني عنها!
وحكي أن البحتري دخل على المتوكّل وأنشد قصيدته في مدحه وقال في مطلعها:
عن أيّ ثغر تبتسموبأيّ طرف تحتكم؟
فقال أبو العنبس:
عن أيّ سلح تلتقموبأيّ كفّ تلتطم
فقال:
حسن يضنّ بحسنهوالحسن أشبه بالكرم
فقال أبو العنبس:
نهم يفوه بهجوهوالصّفع أليق بالنّهم
فقال البحتري: انتقلت إلى مدح الخليفة وتركت النسيب لعلّه يسكت فقلت:
قل للخليفة أيّهاالمتوكّل بن المعتصم
فقال أبو العنبس:
قل للمماليك الضّخاموذي النّشاط من الخدم!
قال البحتري: فالتفتّ يمينا وشمالا حتى أرى هل ينكر عليه أحد، فما رأيت إلّا متبسما، فعلمت إن أنشدت زيادة يأتي بزيادة شتم وهتك، فسكتّ وخرجت، فلمّا رآه أبو العنبس قال:
وليت عنّا مدبرافعلمت أنّك منهزم!
فضحك الخليفة والحاضرون وأمر لأبي العنبس بألف دينار، فقال الفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين والبحتري أنشد وشوتم وصفع يرجع بخفّي حنين؟ فأمر له أيضا بألف دينار.
ومن شعر أبي العنبس:
كم مريض قد عاش منبعد موت الطّبيب والعوّاد
قد يصاد القطا فينجو سليما ويحلّ القضاء بالصّيّاد!
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع