من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
طالقان
كورة ذات قرى بقهستان بين قزوين وجيلان في جبال الديلم. في جبالهم الزيتون والرمّان، يجلب إلى قزوين منها الزيتون وحبّ الرمّان الكثير.
ينسب إليها أبو الخير أحمد بن إسماعيل الملقّب برضى الدين. كان عالما فاضلا ورعا صاحب كرامات. حكي انّه كان في بدء أمره يتفقّه، فأستاذه يلقّنه الدرس ويكرّر عليه مرارا حتى يحفظه، فما حفظ حتى ضجر الأستاذ وتركه لبلادته، فانكسر هو من ذلك ونام الأستاذ، فرأى رسول اللّه، ﷺ، يقول له: لم آذيت أحمد؟ قال: فانتبهت، وقلت: تعال يا رضى الدين حتى ألقّنك! فقال: بشفاعة النبيّ تلقّنني! ففتح اللّه تعالى عليه باب الذكاء حتى صار أوحد زمانه علما وورعا، ودرس بالمدرسة النظاميّة ببغداد مدّة، وأراد الرجوع إلى قزوين فما مكنّوه، فاستأذن للحجّ وعاد إلى قزوين بطريق الشام. وكان له بقزوين قبول ما كان لأحد قبله ولا بعده. يوم وعظه يأتي الناس بالضوء حتى يحصّلوا المكان، ويشتري الغني المكان من الفقير الذي جاء قبله، وما سمعوا منه يروونه عنه كما كانت الصحابة تروي عن رسول اللّه، ﷺ، وحكي أن الشيخ كثيرا ما كان يتعرّض للشيعة، وكان على باب داره شجرة عظيمة ملتفّة الأغصان، فإذا في بعض الأيّام رأوا رجلا على ذلك الشجر، فإذا هو من محلّة الشيعة، قالوا: ان هذا جاء لتعرّض الشيخ! فهرب الرجل وقال الشيخ: لست أقيم في قزوين بعد هذا!
وخرج من المدينة فخرج بخروجه كلّ أهل المدينة والملك أيضا. فقال:
لست أعود إلّا بشرط أن تأخذ مكواة عليها اسم أبي بكر وعمر، وتكوي بها جباه جمع من أعيان الشيعة الذين أعين عليهم. فقبل منه ذلك وفعل، فكان أولئك يأتون والعمائم إلى أعينهم حتى لا يرى الناس الكيّ.
وحكى الشيخ عزّ الدين محمّد بن عبد الرحمن الوارني، وكان من المشايخ
الكبار بقزوين، أن الشيخ عقد المجلس يوم الجمعة أوّل النهار الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة وذكر تفسير قوله تعالى: واتّقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه؛ وان النبيّ، ﷺ، ما عاش بعد ذلك إلّا سبعة أيّام، وكان ذلك تعريضا ينعى نفسه، فرجع إلى بيته محموما وبقي سبعة أيّام ورفع نعشه في اليوم الثامن. ولمّا بلغوا به الوادي قرب تربته أنار اللّه تعالى، من فضله عليه ورحمته له، آيات بيّنات وأمارات واضحات أنوارا متلألئة وأضواء متضاعفة وألوانا غريبة في السماء، ولقد عددت النور الساطع والوميض المتلألئ في سبعة مواضع من الهواء. وعند ذلك صار الخلق حيارى مبهوتين، ودمعت العيون ووجلت القلوب، وضجت الأصوات والخلق بين ساجد وممرغ في التراب خده لا يستطيع المتحرّك سكونا ولا الساكن حراكا، إلى أن وضع في لحده، فعادت السماء إلى حالها وعاد الهواء لهيئته، وما ذلك بعجيب من لطف اللّه تعالى بأرباب العلوم وأصحاب الديانات، عليه رحمة اللّه ورضوانه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع