تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

غزنة

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.

ولاية واسعة في طرف خراسان بينها وبين بلاد الهند، مخصوصة بصحة الهواء وعذوبة الماء وجودة التربة، وهي جبليّة شماليّة بها خيرات واسعة إلّا أن البرد بها شديد جدّا.

ومن عجائبها العقبة المشهورة بها، فإنّها إذا قطعها القاطع وقع في أرض دفئة شديدة الحرّ، ومن هذا الجانب برد كالزمهرير، ومن خواصّها أن الأعمار بها طويلة والأمراض قليلة، وما ظنّك بأرض تنبت الذهب ولا تولد الحيّات والعقارب والحشرات المؤذية؟ وأكثر أهلها أجلاد وأنجاد.

وعجائبها أمر الصفّارين يعقوب وعمرو وظاهر وعليّ. كان يعقوب غلام صفّار وعمرو مكاريا، صاروا ملوكا عظماء واستولوا على بلاد فارس وكرمان وسجستان وخراسان وبعض العراق، يقال لهم بنو الليث الصفّار.

وبها تفّاح في غاية الحسن يقال له الأميري، لم يوجد مثله في شيء من البلاد، قال أبو منصور الثعالبي:

تفّاخ غزنة نفّاع ونفّاحكأنّه الشّهد والرّيحان والرّاح!
أحبّه لصفات حازها قمرفي وجهه أبدا ورد وتفّاح!

وينسب إليها مجدود بن آدم السنائي. كان حكيما عارفا شاعرا تاركا للدنيا، وله ديوان كبير كلّه حكم ومواعظ من حقّها أن تكتب بالذهب، ليس فيها مدح أصلا. وكان يحبّ العزلة والانزواء عن الناس، ويسكن الخرابات ويمشي حافيا، وكان بعض الوزراء يرى له والسنائي يأتيه في أوقات، فإذا جاءه يقوم الوزير ويجلسه مكانه في دسته، وهو ربّما كانت رجله ملطّخة بالطين فقعد في مسند الوزير، ومدّ رجليه لئلّا يتلطّخ المطرح بالطين. وحكي أن السنائي كان يمشي حافيا ولا يقبل من أحد شيئا، فاشترى له بعض أصدقائه مداسا وألحّ عليه بالشفاعة أن يلبسه ففعل، فاتّفق أنّه تلاقاه في اليوم الثاني وسلّم على السنائي فخلع المداس وردّه إليه، فسئل عن ذلك فقال: سلامه في اليوم الثاني ما كان يشبه السلام الذي كان قبل ذلك، وما كان له سبب إلّا المداس!

وبها عين إذا ألقي فيها شيء من القاذورات، يتغيّر الهواء ويظهر البرد والريح العاصف والمطر في أوانه والثلج في أوانه، وتبقى تلك الحالة إلى أن تنحّى عنها النجاسة. وحكي أن السلطان محمود بن سبكتكين لمّا أراد فتح غزنة كلّما قصدها بادر أهلها وألقوا شيئا من القاذورات في هذه العين، ولم تمكن الإقامة عندهم للعسكر. وكان الأمر على ذلك حتى عرف السلطان ذلك منهم، وتلك العين خارج المدينة بقربها، فبعث أوّلا على العين حفّاظا ثمّ سار نحوها فلم ير شيئا ممّا كان قبل ذلك، فافتتحها.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.