تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

غريّان

بناءان كالصومعتين بظهر الكوفة قرب مشهد أمير المؤمنين عليّ. بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء، وسببه انّه كان له نديمان من بني أسد، فثملا فراجعا الملك ببعض كلامه، فأمر وهو سكران أن يحفر لهما حفرتان ويدفنا فيهما حيّين. فلمّا أصبح استدعاهما فأخبر بما أمضى فيهما فغمّه ذلك، وقصد حفرتيهما وأمر ببناء طربالين عليهما وقال: لا يمرّ وفود العرب إلّا بينهما! وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح يوم بؤسه من يلقاه ويغري بدمه الطربالين، فإن وقعت لهما الوحش طلبها بالخيل، وإن وقع طائر أرسل عليه الجوارح. وفي يوم نعيمه يجيز من يلقاه ويخلع عليه. ولبث بذلك برهة من دهره، فخرج يوما من أيّام بؤسه إذ طلع عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر، جاء ممتدحا، فلمّا رآه قال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد؟ فقال بعض الحاضرين: أبيت اللعن! عنده من حسن القريض ما هو خير ممّا تريد منه! فاسمع فإن كان حسنا استزده وإن كان غير ذلك فالأمر بيدك. فأنزله حتى طعم وشرب وقال له:

أنشدني فقد كان يعجبني شعرك! فقال عبيد: حال الجريض دون القريض! فقال المنذر: أنشدني قولك اقفر من أهله ملحوب. فقال عبيد:

أقفر من أهله عبيدفاليوم لا يبدي ولا يعيد
عنّت له منيّة نكودوحان منه لهما ورود!

فقال المنذر: يا عبيد لا بدّ من الموت! ولقد علمت لو أن النعمان ابني عرض لي يوم بؤسي لا بدّ لي من ذبحه! واستدعى له الخمر فلمّا أخذت منه نفسه وطابت وقدم للقتل أنشد:

ألا أبلغ بنيّ وأعمامهمبأنّ المنايا هي الواردة!
لها مدّة فنفوس العبادإليها، وإن كرهت، قاصده
فلا تجزعوا لحمام دنافللموت ما تلد الوالدة

فأمر به ففصد حتى نزف دمه وغرّى بدمه الغريّين.

وحكي أن في بعض أيّام بؤسه وقع رجل من طيّء يقال له حنظلة، فقال له المنذر: لابدّ من قتلك! سل حاجتك. فقال: أجرني سنة حتى أرجع إلى أهلي وأفعل ما أريد ثمّ أصير إليك! فقال المنذر: ومن يكفلك أنّك تعود؟ فنظر إلى جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني فقال:

يا شريك يا ابن عمروويا أخا من لا أخا له
يا أخا المنذر فكّاليوم رهنا قد أنى له
إنّ شيبان قبيلأكرم النّاس رجاله
وأبو الخيرات عمرووشراحيل الحماله
ورثاك اليوم في المجدوفي حسن المقالة

فوثب شريك وقال: أبيت اللعن! يدي بيده ودمي بدمه! فأطلقه المنذر،

فلمّا كان من القابل قعد المنذر ينتظر حنظلة فأبطأ، فقدّم شريك ليقتل فلم يشعر إلّا براكب قد طلع، فإذا هو حنظلة قد تكفّن وتحنّط وجاء بنادبته. فلمّا رآه المنذر عجب من وفائه فقال: ما حملك على قتل نفسك؟ فقال: إن لي دينا يمنعني من الغدر! قال له: ما دينك؟ قال: النصرانيّة! فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معا، وأطلق تلك السنّة.

وكان المنذر بنى الغريين على مثال ما بناهما ملوك مصر، وقد مرّ ذكرهما في موضعهما. ونظر معن بن زائدة إلى الغريين وقد خرب أحدهما فقال:

لو أنّ شيئا مقيما لا يبيد علىطول الزّمان لما باد الغريّان
قد خرّب الدّهر بالتّصريف بينهمافكلّ إلف إلى بين وهجران!

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.