من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
بلاد الغزّ
أمّة عظيمة من الترك، وهم نصارى كانوا في طاعة سلاطين بني سلجوق إلى زمن سنجر بن ملكشاه، فبعث إليهم من يستوفي الخراج منهم فتجاوز الجابي للخراج في الرسم والعادة، فضربه ملكهم وكان اسمه طوطى بك، فمات الجابي فبعث إلى السلطان يتعذّر، والسلطان وافق على قبول عذره لكن الحواشي أرادوا النهب والسبي وتحصيل المال؛ قالوا: هؤلاء لا يقبل عذرهم فإنّه إهانة بالسلطان وجرأة عليه، فلنوقع بهم حتى لا يقدم غيرهم على مثل هذا الفعل القبيح! فذهب السلطان بعساكره إليهم فتضرّعوا وتذلّلوا وقالوا للسلطان: ارحم عوراتنا وذرّياتنا وخذ منّا دية المقتول أضعافا مضاعفة، وضاعف علينا الخراج. فلان السلطان وأبى أصحابه.
فلمّا أيسوا من أمنهم تأهّبوا للقتال وقالوا: نحن كلّنا مقتولون فلا نقتل إلّا في المعركة بعدما قتل كلّ منّا بدله! فركبوا برجالهم ونسائهم وحملوا على المسلمين حملة رجل واحد، وكشفوهم كشفا قبيحا وهزموهم، وأخذوا السلطان ودخلوا بلاد خراسان وخرّبوها، ونهبوا وسبوا. وكان ذلك سنة ثمان وأربعين وخمسمائة والسلطان بقي في أسرهم سنة ثمّ هرب.
وحكى مسعر بن مهلهل أن لهم مدينة من الحجارة والخشب والقصب، ولهم بيت عبادة، ولهم تجارات إلى الهند والصين. ومأكولهم البرّ ولحم الغنم، وملبوسهم الكتان والفراء.
بها حجر أبيض ينفع من القولنج، وحجر أحمر إذا أمرّ على النصل لم يقطع شيئا. وبلادهم مسيرة شهر واحد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع