من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(٣٣) الأسلوب الحكيم
(١) إما بترك سؤاله والإجابة عن سؤال لم يسأله.
(٢) وإما بحمل كلام المتكلم على غير ما كان يقصد ويريد؛ تنبيهًا على أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يقصد هذا المعنى.
فمثال الأول: ما فعل القبعثري بالحجَّاج؛ إذ قال له الحجاج متوعدًا: «لأحملنك على الأدهم.» يريد الحجاجُ: القيد الحديد الأسود، فقال القبعثري: «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب.» يعني الفرس الأسود والفرس الأبيض، فقال له الحجاج: أردت «الحديد»؟ فقال القبعثري: لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدًا. ومراده تخطئة الحجاج بأن الأليق به الوعد «لا الوعيد».
ومثال الثاني: قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ سألوا النبي — عليه الصلاة والسلام — عن حقيقة ما ينفقون مالهم، فأجيبوا ببيان طرق إنفاق المال؛ تنبيهًا على أن هذا هو الأولى والأجدر بالسؤال عنه.
وقال ابن حجاج البغدادي:
قلتُ: ثقلتُ؛ إذ أتيت مرارًاقال: ثقلت كاهلي بالأيادي
قلتُ: طولتُ! قال: أوليت طوْلاقلت: أبرمت! قال: حبل ودادي
فصاحب ابن حجاج يقول له: قد ثقلت عليك بكثرة زياراتي، فيصرفه عن رأيه في أدب وظرف، وينقل كله من معنًى إلى معنًى آخر.
وقول الشاعر:
ولما نعى الناعي سألناه خشيةوللعين خوف البين تسكاب أمطار
أجاب: قضى، قلنا: قضى حاجة العلافقال: مضى، قلنا: بكلِّ فخار
ويُحكى أنه لما توجه «خالد بن الوليد» لفتح الحيرة، أتى إليه من قبل أهلها رجل ذو تجربة، فقال له «خالد»: فيمَ أنت؟ قال: في ثيابي. فقال: علامَ أنت؟ فأجاب: على الأرض. فقال: كم سِنك؟ قال: اثنتان وثلاثون. فقال: أسألك عن شيء وتجيبني بغيره؟ فقال: إنما أجبتك عما سألت.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع