من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(٣٦) تجاهل العارف
تجاهل العارف: هو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلًا؛ لنكتة «كالتوبيخ»، في قوله:
أيا شجر الخابور ما لك مورقًاكأنك لم تجزع على ابن طريف؟!
أو المبالغة في المدح، كقول البحتري:
ألمع برق سرَى أم ضوء مصباح؟أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي
أو المبالغة في الذم، كقول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدريأقوم آل حصن أم نساء
أو التعجب، نحو: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ .
إلى غير ذلك من الأغراض البديعية التي لا تُحصَى.
تمرين
بيِّن الأنواع البديعية فيما يلي:
(١) قال بعضهم في وصف إبل:
صلب العصا بالضرب قد أدماهاتودُّ أن الله قد أفناها
(٢) وقيل في وصف إبل هزيلة:
كالقسيِّ المعطفات بل الأســهم مبرية بل الأوتار
(٣) وللغزالة شيء من تلفتهونورها من ضيا خديه مكتسب
(٤) أفنى جيوش العدا غزوًا فلست ترىسوى قتيل ومأسور ومنهزم
(٥) ولا عيب فيهم غير أن ذوي الندىخِساس إذا قيسوا بهم ولئامُ
(٦) على رأس عبد تاج عز يزينهوفي رجل حر قيدُ ذل يشينه
(٧) إذا لم تفض عينيَّ العقيق فلا رأتمنازله بالقرب تبهى وتبهر
(١) الضرب لفظ مشترك بين الضرب بالعصا — وهو المعنى القريب الذي لم يُقصد — والسير في الأرض وهو المعنى البعيد المقصود، والمراد بالتورية.
(٢) فيه مراعاة النظير؛ إذ وصف البحتري الإبل بالتحول، فشبهها بأشياء متناسبة، وهي: القسي، والأسهم المبرية، والأوتار.
(٣) فيه استخدام؛ إذ أراد بالغزالة الحيوان المعروف، وبضمير «نورها» الغزالة بمعنى الشمس.
(٤) فيه تقسيم؛ إذ هو قد استوفى جميع أقسام جيش العدو بحصرها في الأقسام الثلاثة.
(٥) فيه تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ فإنه استثنى من صفة ذم منفية صفة مدح.
(٦) فيه مقابلة بين ستة وستة؛ فقد قابل بين على وفي، رأس ورجل، حر وعبد، تاج وقيد، عز وذل، يزين ويشين.
(٧) فيه استخدام؛ إذ العقيق هنا الدم الشبيه بالعقيق في الحمرة، والضمير في «منازله» يعود إليه باعتباره الوادي المعروف بظاهر المدينة ببلاد الحجاز.
تمرين آخر
(١) فلا الجود يفني المال والجد مقبلولا البخل يبقي المال والجدُّ مدبر
(٢) رحم الله من تصدَّق من فضل أو آسى من كفاف، أو آثر من قوت.
(٣) رأى العقيق فأجرى ذاك ناظرهمتيم لجَّ في الأشواق خاطره
(٤) آراؤكم ووجوهكم وسيوفكمفي الحادثات إذا دجون نجوم
(٥) ما زلزلت مصر من كيد ألمَّ بهالكنها رقصت من عدلكم طربا
(٦) أراعي النجم في سيري إليكمويرعاه من البيدا جوادي
جاءني ابني يومًا وكنت أراهلي ريحانة ومصدر أنس
قال: ما الروح؟ قلت: إنك روحيقال: ما النفس؟ قلت: إنك نفسي
(١) فيه مقابلة بين: الجود والبخل، يفنى ويبقى، مقبل ومدبر.
(٢) فيه تقسيم باستيفاء أقسام الشيء؛ لأن طبقات الناس هذه الثلاثة ليس غير.
(٣) فيه استخدام؛ فالعقيق أولًا معناه المكان المعلوم في بلاد الحجاز، والضمير يعود إليه بمعنى الحجر المعروف، وقد شبه دموعه به.
(٤) فيه الجمع؛ فقد جمع بين ثلاثة أشياء في حكم واحد.
(٥) فيه حسن التعليل؛ فقد جعل علة زلزال مصر طربًا من عدل الممدوح لا لمكروه نزل بها، وهي لا شك غير العلة التي يتعارفها الناس فيما بينهم.
(٦) فيه استخدام؛ إذ النجم الأول الكوكب، وأعاد عليه الضمير بمعنى النبات الذي لا ساق له.
تطبيق عام على البديع المعنوي
يا سيدًا حاز لطفًاله البرايا عبيد
أنت الحسين ولكنجفاك فينا يزيد
في هذا الكلام تورية، مهيأة بلفظ قبلها، فإن ذكر «الحسين» لازم لكون «يزيد» اسمًا بعد احتمال الفعل المضارع المورى عنه.
حُماة في بهجتها جَنةوهي من الغم لنا جُنة
لا تيأسوا من رحمة الله فقدرأيتم العاصي في الجنة
في هذا الكلام تورية مرشحة، فإن ذكر الرحمة ترشيح للفظ العاصي المورى به الذي هو من العصيان، والمورى عنه النهر المعروف الذي عبر حماة.
فإن ضيعت فيه جميع ماليفكم من لحية حلقت بموسى
فيه التورية المرشحة، بذكر اللحية والحلق، وهما يناسبان المورى به وهو «موسى الحديد» والمورى عنه الاسم المذكور.
يا عذولي في مغنٍّ مطربحرك الأوتار لما سفرا
لم تهز العطف منها طرباعندما تسمع منه وترا
فيه تورية في لفظ «وترًا»؛ فإن معناه البعيد المراد هو الرؤية، والقريب أحد الأوتار، ولفظ «تسمع» هيأ قوله: «وترًا» للتورية.
سألته عن قومه فانثنىيعجب من إفراط دمعي السخي
وأبصر المسك وبدر الدجىفقال ذا خالي وهذا أخي
فيه تورية في لفظ «خالي» فمعناه البعيد المراد النقطة السوداء في الخد، والقريب أخ الأم، ولفظة «أخي» هي التي هيأت خالي للتورية، وهي بعيدة.
وساقية تدور على الندامىوتنهرهم لسرعة شرب خمر
سنشكر يوم لهو قد تقضىبساقية تقابلنا بنهر
«الساقية» امرأة تسقي الراح، وهذا المعنى القريب، أو ساقية الماء وهو المعنى البعيد، وكل منهما مذكور للتورية في صاحبه، ومهيئ لها فيه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع