من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(١-١) أنواع الجناس اللفظي
(١) منها الجناس التام: وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أربعة أشياء: «نوع الحروف، وعددها، وهيئآتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها» مع اختلاف المعنى.
ونحو: رَحَبة رَحْبة. فرحبة الأولى: فناء الدار، ورحبة الثانية: بمعنى واسعة.
وإن كانا من نوعين: «كفعل واسم» سمي الجناس مستوفيًا، نحو: «ارعَ الجار ولو جار».
وكقول الشاعر:
ما مات من كرم الزمان فإنهيحيا لدى يحيى بن عبد الله
فيحيا الأول فعل مضارع، ويحيى الثاني اسم الممدوح.
ونحو:
إذا رماك الدهر في معشرقد أجمع الناس على بغضهم
فدارِهِمْ ما دامت في دارِهِمْوأرضِهِمْ ما دمت في أرضِهِمْ
والجناس التام: مما لا يتفق للبليغ إلا على ندور وقلة، فهو لا يقع موقعه من الحسن حتى يكون المعنى هو الذي استدعاه وساقه، وحتى تكون كلمته مما لا يبتغي الكاتب منها بدلًا، ولا يجد منها حولًا.
ومنها الجناس غير التام: وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد أو أكثر من الأربعة السابقة، ويجب ألا يكون بأكثر من حرف. واختلافهما يكون إما بزيادة حرف:
«في الأول» نحو: دوام الحال من المحال.
أو «في الوسط» نحو: جَدِّي جَهْدي.
أو «في الآخر»: الهوى مطية الهوان.
وكقول الشاعر:
فإن حلوا فليس لهم مقرٌّوإن رحلوا فليس لهم مقر
وكقوله عليه السلام: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.»
ومن اختلاف أعدادها قولك: هذا بناء ناءٍ.
ومن اختلاف ترتيب الحروف قوله: «في حسامه فتح لأوليائه وحتف لأعدائه.» ومن هذا قول الأحنف:
حسامك فيه للأحباب فتحورمحك فيه للأعداء حتف
ومن اختلاف الهيئة قول الشاعر:
الجد في الجد والحرمان في الكسلفانْصَب تُصِب عن قريب غاية الأمل
(٢) ومنها الجناس المطلق: وهو توافق ركنيه في الحروف وترتيبها بدون أن يجمعهما اشتقاق، كقوله صلى الله عليه وسلم : «أَسْلَمُ» سالَمها اللهُ، و«غِفَارٌ» غَفَرَ اللهُ لها، و«عُصَيَّةُ» عَصَتِ اللهَ ورسولَه.
(٣) ومنها: «الجناس المذيل» و«الجناس المطرف».
فالأول: يكون الاختلاف بأكثر من حرفين في آخره.
والثاني: يكون الاختلاف بزيادة حرفين في أوله.
فالجناس المذيل كقول أبي تمام:
يمدون من أيد عواص عواصمتصول بأسياف قواض قواضب
والجناس المطرف كقول الشيخ عبد القاهر:
وكم سبقت منه إليَّ عوارفثنائي على تلك العوارف وارف
وكم غرر من بره ولطائفلشكري على تلك اللطائف طائف
(٤) ومنها: «الجناس المضارع» و«الجناس اللاحق».
فالجناس المضارع: يكون باختلاف ركنيه في حرفين لم يتباعدا مخرجًا، إما في الأول، نحو: «ليل دامس وطريق طامس».
وإما في الآخر، نحو قوله صلى الله عليه وسلم : «الخيل معقود في نواصيها الخير يوم القيامة.»
والجناس اللاحق: يكون في متباعدين. إما في الأول، نحو: هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . وإما في الوسط، نحو: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ . وإما في الآخرة، نحو قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ .
(٥) ومنها: «الجناس اللفظي» وهو ما تماثل ركناه لفظًا، واختلف أحد «ركنيه» عن الآخر خطًّا.
إما الاختلاف في الكتابة ب «النون والتنوين».
فالأول: «وهو ما تماثل ركناه لفظًا، واختلف أحد ركنيه عن الآخر خطًّا في الكتابة بالنون والتنوين» قوله: أعذبُ خلق الله نطقًا «وفمًا» إن لم يكن أحق بالحسن «فمَنْ» مثل الغزال نظرةً ولفتة من ذا رآه مقبلًا ولا افتتن
والثاني: وهو اختلاف أحد «ركنيه» في الضاد والظاء، نحو قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .
وكقول أبي فراس:
ما كنتَ تصبر في القديمفلِمَ صبرتَ الآن عنَّا؟
ولقد ظننتُ بكِ الظنونَ لأنه مَنْ «ضنَّ ظنَّا»
والثالث: وهو اختلاف أحد ركنيه في الهاء والتاء، كقوله: إذا جلست إلى قوم لتُؤنسهم بما تحدث من ماضٍ ومن آتِ فلا تُعيدن حديثًا إنَّ طبعهمو موكل «بمعاداة المعاداتِ»
فالأول: ما اختلف ركناه في هيآت الحروف الحاصلة من حركاتها وسكناتها، نحو: «جُبة البُرد جُنَّة البَرد».
والثاني: ما تماثل ركناه وضعًا، واختلفا نقطًا، بحيث لو زال إعجام أحدهما لم يتميز عن الآخر، كقول بعضهم: «غرَّك عزُّك فصار قصارى ذلك ذُلُّكَ فاخش فاحش فعلك؛ فعلك بهذا تهتدي».
ونحو: «إذا زلَّ العالِم زلَّ بزلته العالم».
ومثل قول أبي فراس:
من بحر شِعرك أغترفوبفضل علمك أعترف
فالأول: ما اختلف «ركناه» إفرادًا وتركيبًا.
فإن كان من كلمة وبعض أخرى سُمِّي «مَرفُوًّا» مثل قول الحريري:
ولا تَلهُ عن تذكار ذنبك وابكهبدمع يضاهي المزن حال «مُصابه»
ومثِّل لعينيك الحِمام ووقعهوروعة ملقاه ومطعم «صابه»
وإن كان من كلمتين، فإن اتفق الركنان خطًّا سُمِّي «مقرونًا» مثل قوله:
إذا مَلِك لم يكن «ذا هِبَهْ»فدعه فدولته «ذاهبهْ»
وإلا سُمِّي «مفروقًا» مثل قوله:
لا تعرضَنَّ على الرُّواة قصيدةما لم تكن بالغت في «تهذيبها»
فإذا عرضت الشِّعر غير مهذبعدُّوه منك وساوسًا «تهذي بها»
والثاني: وهو الجناس الملفق يكون بتركيب الركنين جميعًا، مثل قوله: وليت الحكم خمسًا وهي خمس لعمري والصبا في العنفوان فلم تضع الأعادي قدر «شاني» ولا قالوا فلان قد «رشاني»
(٨) ومنها: «جناس القلب»، وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب الحروف، نحو: «حسامه فتحٌ لأوليائه وحتفٌ لأعدائه» ويُسمى «قلب كلٍّ» لانعكاس الترتيب.
ونحو: «اللهم استر عوارتنا وآمن روعاتنا»، ويُسمى «قلب بعض».
ونحو: «رحم الله امرأ أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه».
وإذا وقع أحد المتجانسين في أول البيتِ والآخر في آخره سُمِّي «مقلوبًا مجنحًا» كأنه ذو جناحين مثل قوله:
«لاح» أنوار الهدىمن كفه في كل «حال»
وإذا وَلِيَ أحد المتجانسين الآخر قيل له: «المزدوج».
وبعدُ: فلا يخفى على الأديب ما في الجناس من الاستدعاء لميل السامع؛ لأن النفس ترى حسن الإفادة، والصورة صورة تكرار وإعادة؛ ومن ثم تأخذها الدهشة والاستغراب، ولأمر ما عدَّ الجناس من حُلى الشعر.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع