تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» لأبي الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦هـ)

في رصافة هشام بن عبد الملك

اجتاز أبو نواس بهذا الدير وقال فيه:

ليس كالدير بالرصافة ديرفيه ما تشتهي النفوس وتهوى
بته ليلة فقضيت أوطاراً ويوماً ملأت قطريه لهواً

قال أبو الفرج: حدثني جعفر بن قدامة، قال: حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال: كنت مع المتوكل لما خرج إلى الشام، فركب يوماً من دمشق يتنزه في رصافة هشام، يزور قصوره وقصور ولده، ثم خرج، فدخل ديراً هناك قديماً، من بناء الروم، بين أنهار ومزارع وأشجار، فبينما هو يدور فيه، إذ بصر برقعة ملصقة، فأمر أن تقلع، فقلعت، فإذا فيها:

أيا منزلاً بالدير أصبح خالياًتلاعب فيه شمال ودبورُ
كأنك لم تسكنك بيض أوانسولم يتبختر في فنائك حورُ
وأبناء أملاك عباشم سادةصغيرهم عند الأنام كبيرُ
إذا لبسوا أدراعهم فعنابسوإن لبسوا تيجانهم فبدورُ
على أنهم يوم اللقاء ضراغموأنهم يوم العطاء بحورُ
وحولك رايات لهم وعساكروخيل لها بعد الصهيل شخيرُ
ليالي هشام في الرصافة قاطنوفيك ابنه يا دير وهو أميرُ
إذ العيش غض والخلافة لدنةوأنت طرير والزمان غريرُ
وروضك مرتاض، ونورك نيروعيش بني مروان فيك نضيرُ
بلى، فسقاك الغيث صوب غمامةعليك لها بعد الرواح بكورُ
تذكرت قومي خالياً فبكيتهمبشجو، ومثلي بالبكاء جديرُ
وعزيت نفسي وهي نفس إذا جرىلها ذكر قومي أنة وزفيرُ
لعل زماناً جار يوماً عليهمله بالذي تهوى النفوس يدورُ
فيفرح محزون، وينعم بائسويطلق من ضيق الوثاق أسيرُ
رويدك إن اليوم يتبعه غدوإن صروف الدائرات تدورُ!

قال: فلما قرأها المتوكل ارتاع لها وتطير وقال أعوذ بالله من سوء أقداره! ثم دعا بصاحب الدير، فقال له: من كتب هذه الرقعة؟ فأقسم أنه لا يدري. قال: وأنا مذ نزل أمير المؤمنين هذا الموضع، لا أملك من أمر هذا الدير شيئاً، يدخله الجند والشاكرية ويخرجون، وغاية قدرتي أني متوارٍ في قلايتي، فهم بضرب عنقه، وإخراب الدير، فكلمه صحبه إلى أن سكن غضبه، ثم بان بعد ذلك أن الذي كتب الأبيات رجل من بني روح بن زنباع الجذامي، وأمه من موالي هشام بن عبد الملك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول أخبار الديارات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.