من «الديارات» لأبي الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦هـ)
دير الخصيان
دير الخصيان: بغور البلقاء بين دمشق وبيت المقدس حكى أبو زيد الأسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك، وهو جالس على دكان مبلّط بالرخام الأحمر، مفروش بالديباج الأخضر، في وسط بستان ملتفة أشجاره، قد أينعت ثماره، وبإزاء كل شقّ من الدكان روض قد أزهر بنبت الربيع ونواره، وعلى رأسه وصائف كل واحدة أحسن من صواحبها، كأنهن اللؤلؤ المنثور، في أيديهن أباريق بألوان الخمور، وطاسات البلور، وقد أخذ منه الشراب، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وكان سليمان مطرقاً فرفع رأسه، وقال: أبا زيد، أفي مثل هذا اليوم تصاب حياً؟ فقلت: يا سيدي، يا أمير المؤمنين أوقامت القيامة؟ قال نعم، على أهل الهوى! ثم أطرق، ورفع رأسه وقال: أبا زيد ما يطيب في يومنا هذا؟ فقلت: قهوة حمراء في زجاجة بيضاء تناولنيها مقدودة هيفاء، لفّاء مصطمرّة قنواء دعجاء، أشربها من كفّها وأمسح فمي بفمها، فأطرق سليمان مليّاً ودموعه تصدر، فلما رأى الوصائف ذلك منه تنحين عنه، وقال: أبا زيد، حللت والله في يوم فيه انقضاء أجلك، وتصرم مدتك، وفناء عمرك، والله لاضربن عنقك أو تخبرني بما أثار هذه الصفة من قلبك. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، كنت جالساً على باب أخيك سعيد بن عبد الملك، وإذا جارية قد خرجت إلى رحبة القصر، عليها قميص سكب، تبين منه بياض ثدييها، وتدوير سرتها، ونقش تكتها، وفي رجلها نعلان قد أشرق بياض قدميها على حمرتها بفرد ذؤابة تضرب الحقو منها، وطرة قد زرفنت على جبينها، وصدغين كأنهما نونان على عارضيها، وحاجبين قد تقوسا على محاجر عينين مملؤتين سحراً، وأنف كأنه قصبة درّ.
وهي تقول: عباد الله ما الدواء لما يشتكى؟ وما العلاج ممّا لا ينسى؟ طال الحجاب، وابطأ الكتاب، فالعقل طائر واللب غائر، والعين عبرى، والأرق دائم، والوجد موجود، والنفس والهة، والفؤاد مختلس، والقلب محتبس، رحم الله قوماً عاشوا تجلداً، وماتوا كمداً، لو كان في الصبر حيلة، أو إلى العزاء وسيلة، فقلت: أيتها الجارية إنسية أنتِ أم جنّية؟ وسمائية أم أرضية؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك، وأذهلني حسن منطقك، فسترت وجهها بكفِها وقالت: اعذر أيّها المتكلم، فما أوحش الوجد بلا مساعدة، والمقاساة لصدّ معاندة، ثم انصرفت.
فوالله - يا أمير المؤمنين - ما أكلت طيباً إلا غصصت به، ولا رأيت حسناً إلا سمج في عيني لحسنها.
فقال سليمان: كاد الجهل يستفزني، والصبابة تعاودني، والحلم يعزب عني، تلك الذلفاء التي يقول فيها الشاعر:
إنما الذلفاءُ ياقوتةٌأُخرجت من كيس دَهقانِ
شراؤها على أخي ألف ألف درهم، وهي عاشقة لفتى ابتاعها منه، والله لا مات من يموت إلا بحسرتها، ولا فارق الدنيا إلا بغصتها، وفي الصبر سلوة وفي توقع الموت بهتة، فاكتم - أبا زيد - المفاوضة، يا غلام: ثقل يده ببدرة.
قال: فلما مات سعيد صارت إلى سليمان، ولم يكن في عصرها أجمل منها، فملكت قلبه وغلبت عليه دون سائر نسائه وجواريه، فخرج يوماً بالقرب من دير الرهبان فضرب فسطاطه في روضة خضراء مونقة الزهر، ذات حدائق وبهجة، تحفها أنواع الزهر النضر الغض، ما بين أصفر فاقع وأبيض ناصع وأحمر ساطع، فهي مثل الثياب الحضرمية، والبرود الأنجمية، تحمل منها الريح نسيم المسك الأذفر ويتضوع عرفها برياً فتيت العنبر، وكان له مغنٍ يأنس به، ويسكن إليه ويكثر الخلوة معه، ويستمع لحديثه وغنائه، يقال له " سنان "، وكان " سنان " - هذا - أحسن الناس وجهاً، وأظرفهم ظرفاً، فأمره فضرب فسطاطه في روضة خضراء مونقة الزهرات، ذات حدائق وبهجة، يحفها أنواع الزهر النضر الغض بالقرب منه، وكانت " الذلفاء "، قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المتنزه، فلم يزل سليمان يومه عند سنان في أكمل سرور وأتم حبور، إلى أن أتى الليل، فانصرف سليمان إلى فسطاطه، وانصرف سنان إلى موضعه، فوجد جماعة قد أناخوا به، فسلموا عليه، فرد عليهم سلام جذلان بوصولهم، فرح بنزولهم، فأحضرهم الطعام فأكلوا، وقدم الشراب فتناولوا منه، وقال: هل من حاجة؟ قالوا: ما جئناك إلا للقِرى.
فقال: بالمنزل الرحب حللتم، وبالجانب الخصب نزلتم.
فقالوا: أما الطعام فقد أكلنا، وأما الشراب حضر، وبقي السماع، قال: أما السماع فلا سبيل إليه مع غيرة أمير المؤمنين ونهيه إياي عن الغناء، إلا ما كان في مجلسه، قالوا له: فلا حاجة لنا في الطعام والشراب عندك ما لم تُسمعنا، فلما رآهم غير مغفلين عنه رفع عقيرته، وغنى بهذه الأبيات:
محجوبةٌ سمِعَتْ صَوْتي فأرّقهامن آخر الليلِ حتى ملّها السَّهرُ
لم يحجب الصوت أحراس ولا غَلَقٌفدمعها لطروق الصوت ينحدرُ
تدني على فخذيها من معصفرةٍوالحلي بادٍ على لبّاتها خَصَرُ
في ليلة البدر لا يدري مضاجعُهاأوجهها عِندَه أبهى أم القمرُ؟
لو خُلِّيت لمشت نحوي على قَدَمٍتكاد من رقّةٍ بالمشي تنفطرُ
فلما سمعت " الذلفاء " صوت " سنان "، خرجت إلى صحن الفسطاط لتسمع الصوت، وجعلت لا تسمع شيئاً من نفثٍ حسن مع ما وافق ذلك من وقت الليلة المقمرة، إلا رأت ذلك كلّه في نفسها ووقتها وهيئتها، فحرك ذلك ساكناً كان في قلبها، فهملت عيناها بالدموع وعلا نحيبها، فانتبه سليمان فلم يجدها في الفسطاط، فخرج إلى صحنه فرآها على تلك الحالة، فقال لها: ما هذا يا " ذلفاء " فقالت يا أمير المؤمنين:
ألا ربّ صوتٍ رائعٍ من مشوَّهٍقبيحِ المحيا واضع الأب والجَدِّ
يروعك منه صوته ولعلّهإلى أمةٍ يُدعى معاً وإلى عَبْدِ
قال سليمان: دعيني من هذا، فوالله لقد خامر قلبك منه ما خامره. يا غلام: عليّ " بسنان "، فدعت " الذلفاء " خادماً لها، وقالت: إن سبقت إلى " سنان " فحذرته فلك عشرة آلاف درهم وأنت حر. فسبق رسول سليمان فأحضره، فلما وقف بين يديه وسليمان يرعد غيرة، قال سليمان: من أنت؟ قال: أنا " سنان " فقال:
تثكل في الثّكلى سناناً أمُّهكان لها ريحانةً تشمّه
وخاله يثكلُه وعمُّهذو سَفَهٍ حياتُه تغمّه
فقال سِنان:
استبقني إلى الصباح أعتذرْإنَّ لساني بالشراب مُنْكسر
فارسُك الكلبيُّ في يومٍ يكُرفإن يكن أذنب ذنباً أو عثرْ
فالسيّد العافي أحقّ من غَفَرْ
ثم قال: يا " سنان "، ألم أنهك عن مثل هذا الفعل؟ فقال: يا أمير المؤمنين حملني الثمل، وقوم طرقوني، وأنا عبد أمير المؤمنين، فإن رأى ألا يضيّع حظّه مني فليفعل.
فقال: أما حظي منك فلا أضيّعه، ولكن لا تركت للنساء فيك حظاً، يا " سنان " أما علمت أن الرجل إذا تغنّى أصغت له المرأة، وأن الفرس إذا صهل تودّقت له الحجر، وأن الفحل إذا هدر ضبعت له الناقة، يا غلام ائتني بحجام فجبّه، فعاش بعد ذلك سنة ومات، فسمي ذلك الدير: دير الخصيان، وبه يعرف إلى اليوم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري - وهذا الخبر أصحّ ما روى في ذلك إسناداً - قال أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة عن معن ابن عيسى.
وأخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدّثني عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال: قال ابن جناح حدثني معن بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه وعن محمد بن معن الغفاري قالا: كان سبب ما خصي له المخنثون بالمدينة أن سليمان بن عبد الملك كان في نادية له يسمر ليلة على ظهر سطح، فتفرق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له، فبينما هي تصب عليه إذ أومأ بيده وأشار بها مرتين أو ثلاثاً، فلم تصبّ عليه، فأنكر ذلك فرفع رأسه، فإذا هي مصغية بسمعها إلى ناحية العسكر، وإذا صوت رجل يغني، فأنصت له حتى سمع جميع ما تغنّى به، فلما أصبح أذن للناس، ثمّ أجرى ذكر الغناء فلين فيه حتّى ظن القوم أنه يشتهيه ويريده، فأفاضوا فيه بالتسهيل وذكر من كان يسمعه، فقال سليمان فهل بقي أحد يُسمع منه الغناء؟ فقال رجل من القوم: عندي يا أمير المؤمنين رجلان من أهل أبله مجيدان محكمان، قال: وأين منزلك؟ فأومأ إلى الناحية التي كان الغناء منها، قال: فابعث إليهما، ففعل، فوجد الرسول أحدهما، فأدخله على سليمان، فقال: ما اسمك؟ قال: سمير، فسأله عن الغناء، فاعترف به، فقال: متى عهدك به؟ قال: الليلة الماضية، قال: وأين كنت؟ فأشار إلى الناحية التي سمع سليمان منها الغناء، قال: فما غنيت به؟ فأخبره الشعر الذي سمعه سليمان، فأقبل على القوم فقال: هدر الجمل فضبعت الناقة، ونب التيس فشكرت الشاة وهدر الحمام فزافت الحمامة، وغنّى الرجل فطربت المرأة، ثم أمر به فخصي. وسأل عن الغناء أين أصله؟ فقيل: بالمدينة في المخنثين وهم أئمته والحذاق فيه. فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وكان عامله عليها، أن اخص من قبلك من المخنثين المغنين - فزعم موسى بن جعفر بن أبي كثير قال أخبرني بعض الكتّاب قال: قرأت كتاب سليمان في الديوان، فرأيت على الخاء نقطة كتمرة العجوة. قال: ومن لا يعلم يقول: إنه صحّف القارئ، وكانت احصِ - قال: فتتبعهم ابن حزم فخصى منهم تسعة، فمنهم: الدلال، وطريف، وحبيب نومة الضحى. وقال بعضهم حين خُصي: سلم الخاتن والمختون. وهذا كلام يقوله الصبيّ إذا ختن. قال: فزعم ابن أبي ثابت الأعرج. قال أخبرني حماد بن نشيط الحسني. قال: أقبلنا من مكة ومعنا بدراقس وهو الذي ختنهم، وكان غلامه قد أعانه على خصائهم، فنزلنا على حبيب نومة الضحى، فاحتفل لنا وأكرمنا، فقال له ثابت: من أنت؟ قال: يا بن أخي أتجهلني وأنت وليت ختاني! أو قال: وأنت ختنتني، قال: واسؤتاه! وأيهم أنت؟ قال: أنا حبيب، فاجتنبت طعامه، وخفت أن يسمّني. قال: وجعلت لحية الدلال بعد سنة أو سنتين تتناثر. وأما ابن الكلبي فإنه ذكر عن أبي مسكين ولقيط أن أيمن كتب بإحصاء من في المدينة من المخنثين ليعرفهم، فيوفد عليه من يختاره للوفادة، فظن أنه يريد الخصاء فخصاهم.
أخبرني وكيع قال: حدثني أبو أيوب المديني قال: حدثني محمد بن سلام قال حدثني ابن جعدبة - ونسخت أنا من كتاب أحمد بن الحارث الخراز - عن المديني عن ابن جُعدُبة واللفظ له:
أن الذي هاج سليمان بن عبد الملك على ما صنعه بمن كان بالمدينة من المخنثين، أنه كان مستلقياً على فراشه في الليل، وجارية له إلى جنبه، وعليها غلالة ورداء معصفران، وعليها وشاحان من ذهب، وفي عنقها فصلان من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وكان سليمان بها مشغوفاً، وفي عسكره رجل يقال له سمير الأبليّ يغنّي، فلم يفكر سليمان في غنائه شغلاً بها وإقبالاً عليها، وهي لاهية عنه لا تجيبه مصغية إلى الرجل، حتى طال ذلك عليه، فحول وجهه عنها مغضباً، ثم عاد إلى ما كان مشغولاً عن فهمه بها، فسمع سميراً يغني بأحسن صوت وأطيب نغمة:
محجوبة سمعت صوتي فأرقهامن آخر الليل حتى شفها السهرُ
تدني على جيدها ثنيي معصفرةوالحلي منها على لباتها خصرُ
في ليلة النصف ما يدري مضاجعهاأوجهها عنده أبهى أم القمر
ويروى:
أوجهها ما يرىأم وجهها القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدمتكاد من رقة للمشي تنفطر
- الغناء لسمير الأبلي رمل مطلق بالبنصر عن حبش.. وأخبرني ذكاء وجه الرزة أنه سمع فيه لحناً للدلال من الثقيل الأول.
- فلم يشكك سليمان أن الذي بها مما سمعت، وأنها تهوى سميراً، فوجه من وقته من أحضره وحبسه، ودعا لها بسيف ونطع، وقال: والله لتصدقني أو لأضربن عنقك! قالت: سلني عما تريد، قال: أخبريني عما بينك وبين هذا الرجل؟ قالت: والله ما أعرفه ولا رأيته قط، وأنا جارية منشئي الحجاز، ومن هناك حملت إليك، ووالله ما أعرف بهذه البلاد أحداً سواك، فرقّ لها وأحضر الرجل فسأله، وتلطف له في المسألة، فلم يجد بينه وبينها سبيلاً، ولم تطب نفسه بتخليته سوياً فخصاه، وكتب في المخنثين بمثل ذلك.
هذه الرواية صحيحة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع