تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» لأبي الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦هـ)

دير الثعالب

- قال الشابشتي: هذا الدير ببغداد، بالجانب الغربي منها، بالموضع المعروف بباب الحديد وأهل بغداد يقصدونه ويتنزهون فيه، ولا يكاد يخلو من قاصد وطارق. وله عيد لا يتخلف فيه أحد من النصارى والمسلمين، وباب الحديد أعمر موضع ببغداد وأنزهه: لما فيه من البساتين والشجر والنخل والرياحين، ولتوسطه البلد وقربه من كل أحد. فليس يخلو من أهل البطالات، ولا يخلّ به أهل المتطرب واللذاذات. فمواطنه أبداً معمورة، وبقاعه بالمتنزهين مشحونة.

- وذكر البيروني أن عيد دير الثعالب، هو آخر سبت من أيلول، إلا أن يكون أول تشرين الأول من السنة الآتية يوم الأحد، فيتأخر العيد إليه ويخرج من أيلول، فتتعرى تلك السنة، ويتكرر في الآتية مرتين: في أولها وأخرها.

- وقال ياقوت إنه: دير مشهور، بينه وبين بغداد ميلان أو أقل، في كورة نهر عيسى، على طريق صرصر، رأيته أنا، وبالقرب منه قرية تسمى الحارثية.

- ولمحمد بن عمر ابن دهقانة الهاشمي، أبيات من الشعر ورد فيها اسم الدير منها:

دير الثعالب مألف الضلالومحل كل غزالةٍ وغزالِ

- ومن أقدم من ذكر هذا الدير خليفة بن خياط، فلقد ذكره في حوادث سنة هـ، قبل إنشاء مدينة بغداد، قال في خبر طويل: وأقبل الضحاك بن قيس من المدائن يريد الكوفة، فنزل دير الثعالب في ثلاثة آلاف، والمكثر يقول: في آربعة آلاف.

- وفي كتاب " الحوادث الجامعة " ذكر لهذا الدير، قال في حوادث سنة هـ: - في هذه السنة زادت دجلة زيادة عظيمة، وغرقت في الجانب الغربي من بغداد عدة نواح، ووصل إلى قباب دير الثعالب.

- وزار سبط ابن التعاويذي، الشاعر المعروف) هـ (هذا الدير يوم عيده، فرأى شماساً فيه صبيح الوجه، فقال فيه ارتجالاً:

وغزال علقتهيوم دير الثعالبِ
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «وغزال علقته»
من ظباء الصريميخطرُ في زيّ راهبِ
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «وغزال علقته»
شد زناره فحلعقود المذاهب
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «وغزال علقته»

- وذكر الأب أنستاس ماري الكرملي أن بقايا دير الثعالب، تعرف اليوم باسم عين الصنم.

- ورجح الأب لويس شيخو، أن " دير الثعالب منسوب، على ما نظن، إلى بني ثعلبة المتنصرين، قريب من بغداد عند الحارثية ".

- وأيده في هذا الترجيح د. عبد اللطيف الراوي. انظر: المجتمع العراقي في شعر القرن الرابع للهجرة، وانظر: مسالك الأبصار،.

- بغداد في عهد الخلافة العباسية،،.

- دليل خارطة بغداد،،،.

- أحوال نصارى بغداد،.

- ديارات بغداد القديمة.

دير الثعالب

قرب بغداد، في كورة نهر عيسى، بالموضع المعروف بباب الحديد.

- خرجت أنا وأبو الفتح أحمد بن إبراهيم بن علي بن عيسى ﵀، ماضيين إلى دير الثعالب، في يوم من سنة خمس وخمسين وثلاث مئة للنزهة ومشاهدة اجتماع النصارى هناك، والشرب على نهر يزدجرد الذي يجري على باب هذا الدير فبينا نحن نطوف الدير، ومعنا جماعة من أولاد الكتّاب النصارى وأحداثهم، وإذا بفتاة كأنها الدينار المنقوش كما يقال، تتمايل وتتثنّى كغصن ريحان في نسيم شمال. فضربت بيدها إلى يد أبي الفتح وقالت: يا سيّدي، تعال اقرأ هذا الشعر المكتوب على حائط بيت الشاهد. فمضينا معها، وبنا من السرور بها وبظرفها وملاحة منطقها ما الله به عالم. فلما دخلنا البيت كشفت عن ذراع كالفضة، وأومأت إلى الموضع، وإذا فيه مكتوب:

خرجتْ يوم عِيدهافي ثياب الرواهب
فسبت باختيالهاكلّ جاءٍ وذاهب
لشقائي رأيتهايوم دير الثعالبِ
تتهادى بنسوةٍكاعبٍ في كواعبِ
هي فيهم كأنها البدرُ بين الكواكبِ

فقلنا لها: أنتِ والله المقصودة بمعنى هذه الأبيات، ولم نشك أنها كتبت الأبيات، ولم تفارقنا بقية يومنا.

وقلت فيها هذه الأبيات، وأنشدتها إياها ففرحت:

مرّت بنا في الدير خَمصَانهْساحرةُ الناظر فتّانهْ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «مرت بنا في الدير خمصانة»
أبرزها الرهبان من خِدرهاتعظّم الدير ورهبانهْ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «مرت بنا في الدير خمصانة»
مرّتْ بنا تخطرُ في مَشيهاكأنّما قامتها بانهْ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «مرت بنا في الدير خمصانة»
هبت لها ريحٌ فمالتْ بهاكما تثنّى غصنُ ريحانهْ
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «مرت بنا في الدير خمصانة»
فتيَّمت قلبي وهاجتْ لهأحزانَه قُدماً وأشجانه
للشاعر أبو الفرج الأصبهاني، من قصيدة «مرت بنا في الدير خمصانة»

وحصل بينها وبين أبي الفتح عشرة بعد ذلك. ثم خرج إلى الشام وتوفي بها، ولا أعرف لها خبراً بعد ذلك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول أخبار الديارات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.