تجاوز إلى المحتوى

من «صفة جزيرة العرب» للهمداني (ت ٣٣٤هـ)

باب ما جاء عن ابن عباس رحمه الله تعالى في ذكر جزيرة العرب

أما حديث عبد الله بن عباس في جزيرة العرب فإنه ما نقل لنا عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس من وجه وعن معاوية بن عميرة بن مخوس الكندي أنه سمع عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وسأله رجل عن ولد نزار ابن معد قال: هم أربعة مضر وربيعة وإياد وانمار، فكثر أولاد معد بن عدنان ابن أدد ونموا وتلاحقوا ومنازلهم مكة وما والاها من تهامة وانتشروا فيما يليهم من البلاد وتنافسوا في المنازل والمحال، وأرض العرب يومئذ خاوية وليس فيها بتهامتها ونجدها وحجازها وعروضها كثير أحد لإخراب بخت نصرّ آيها وإجلاء أهلها إلا من كان اعتصم منهم برؤوس الجبال وشعابها ولحق بالمواضع التي لا يقدر عليه فيها أحد منتكبا لمسالك جنوده ومستنّ خيوله فارّا إليها منهم، فاقتسموا الغور غور تهامة بينهم على سبعة أقسام لكل قسم ما يليه من ظواهر الحجاز ونجد وتهائم اليمن لمنازلهم ومجالهم ومسارح إنعامهم ومواشيهم، وبلاد العرب كلها يومئذ

على خمسة أقسام في جزيرة مطيفة - أي مديرة، وطوف الجبل دوره ومنه الطواف حول الكعبة وطوائف من الناس فرق من أطراف الناس، ويروي مطيقة من الطوق وهو ما دار بالعنق من هجار فضة وغيره - وهي جزيرة العرب التي صارت في قسم من انطق الله ﵎ باللسان العربي حين تبلبلت الألسن ببابل في زمان نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح يوم قسم فالح بن عابر بن شالخ بن إرفخشد بن سام بن نوح الأرض بين أولاد نوح ﵇ سام وحام ويافث.

وإنما سميت بلاد العرب الجزيرة لإحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها وأطرارها، وصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر، وذلك أن الفرات القافل الراجع من بلاد الروم يظهر بناحية قنَّسرين ثم انحطَّ على الجزيرة وسواد العراق حتى دفع في البحر من ناحية البصرة والأبلة وامتد إلى عبَّادان وأخذ البحر من ذلك الموضع مغرِّبا ببلاد العرب منعطفاً عليها فأتى منها على سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف البحرين وقطر وعُمان والشِّحر ومال منه عنق إلى حضرموت وناحية أبين وعدن ودهلك، واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن بلاد فرسان وحكم والأشعريين وعكٍّ ومضى إلى جدة ساحل مكة والجار ساحل المدينة وساحل الطور وخليج أيلة وساحل راية - كورة من كور مصر البحرية - حتى بلغ قلزم مصر وخالط بلادها وأقبل النيل من غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلاً معارضاً للبحر معه حتى دفع في بحر مصر والشام - ثم اقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها وأتى على صور ساحل الأردنّ وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق، ثم نفذ إلى سواحل حمص وسواحل قنَّسرين، حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطاً على أطراف قنَّسرين والجزيرة إلى سواد العراق. فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوا بها، وتدالدوا فيها على خمسة أقسام عند العرب، وفي أشعارها: تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض،

واليمن، وذلك أن جبل السراة وهو أعظم جبال العرب وأذكرها أقبل من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف بوادي الشام فسمته العرب حجازاً لأنه حجز بين الغور وهو هابط وبين نجد وهو ظاهر فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعكٍّ وحكم وكنانة وغيرها ودونها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبها، وغار من أرضها - الغور غور تهامة وتهامة تجمع ذلك كله. وصار ما دون ذلك الجبل من شرقيه من صحاري نجد إلى أطراف العراق والسماوة وما يليها نجداً، ونجد تجمع ذلك كله. وصار الجبل نفسه سراته وهو الحجاز، وفي رواية الجر والجرّ سفح الجبل. قال قيس بن الخطيم:

سل المرء عبد الله بالجرِّ هل رأىكتائبنا في الحرب كيف مصاعها

وصار ما احتجز به في شرقيه من الجبال وانحدر إلى ناحية فيد وجبلي طيّءٍ إلى المدينة وراجعاً إلى أرض مذحج من تثليث وما دونها إلى ناحية فيد، حجاز، فالعرب تسميه نجداً وجلساً وحجازاً والحجاز يجمع ذلك كله. وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاها العروض وفيها نجد وغور لقربها من البحار وانخفاض مواضع منها، ومسايل أودية فيها والعروض يجمع ذلك كله. وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء وما والاها إلى حضرموت والشِّحر وعُمان وما يليها اليمن، وفيها التهائم والنجد واليمن تجمع ذلك كله. قال أبو محمد: وتأييد ذلك في جميع اليمن لهذه المواضع كتب العهود من الخلائف لولاة صنعاء اليمن ومخاليفها وعكّ وعُمان وحضرموت يريد بعك أرض تهامة، وكان سعيد بن المسّيب يقول: إن الله ﵎ لما خلق الأرض مادت بأهلها، فضربها بهذا الجبل، يعني السراة، ومبدؤه من اليمن حتى بلغ الشام فقطعته الأودية حتى انتهى إلى نخلة فكان منها حيص ويسوم ويسميان يسومين، كما يقال القمران في الشمس والقمر والعمران في أبي بكر وعمر قال الراجز:

يا ناق سيري قد بدا يسومانفاطويهما تبد قنان غزوان

غزوان جبل عرفة العالي، ثم طلعت الجبال بعد منه وكان منها الأبيض جبل العرج وقدس وآرة والأشعر والأجرد وهذه جبال ما بين مكة والمدينة عن يمين الخارج من مكة إلى المدينة ويسار الصادر إلى مكة وقد ذكرت العرب الحجاز والجلس وتهامة ونجد في أشعار كثيرة وكل ذلك يصدق ما وصفنا. قال عمرو براق الثُّمالي من الأزد:

أروى تهامة ثم أصبح جالساًبشعوف بين الشَّت والطُّباق

وقد يقال فيه ابن برّاقة وإنما عمرو بن براقة من همدان ثم من نهم وكان شاعراً شجاعاً وهو القائل في كلمته الميمية:

وكنت إذا قومٌ غزوتي غزوتهمفهل أنا في ذا يال همدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارماوأنفا حميّاً تجتنبك المظالم
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «متى تجمع القلب الذكي وصارما»

وقالت ليلى بنت الحارث الكنانية:

ألا منعت ثمالة ما يليهافغوراً بعد أو جلساً ثمالا

وقال أميَّة بن أبي عائذ الهذلي:

هذيل حموا قلب الحجاز وإنماحجاز هذيل يفرع الناس من عل

وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلابٍ:

مرِّية حلَّت بفيد وجاورتأهل الحجاز فأين منك مرامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وقال هبيرة بن عمرو بن جرثومة النهدي:

وكندة تهذي بالوعيد ومذحجوشهران من أهل الحجاز وواهب

شهران في سراة بيشة وترج وتبالة فيما بين جرش وأول سراه الأزد، وقال بعض بني مرة بن عوف في أيام عبد الملك بن مروان:

أقمنا على عز الحجاز وأنتمبمنبطح البطحاء بين الأخاشب

وعلى شريح بن الأحوص:

أعزُّك بالحجاز وإن تقصَّتجدني من أعزّة أهل نجد

وقال طرفة بن العبد وذكر مقتل عمرو بن مامة يوم قضيب:

ولكن دعا من قيس عيلان عصبةًيسوقون في أرض الحجاز البرابرا

البرابر ههنا الغنم، ويروى: يسوقون في أعلى الحجاز البرائر، والبرائر ههنا جمع برير وهو ثمر الأرك، وساف اشتم برائر بأعلى ... رنيِّة وتربة بين ديار بني بني هلال. وقال المخبل السعدي:

فإن تمنع سهول الأرض منيفإني سالك سبل العروض
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

وقال جرير بن عطية بن الخطفى:

هوى بتهامة وهوى بنجدفيلتئم التهائم والنّجود
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا زارت وأهل منى هجود»

وذات عرقٍ فصل ما بين تهامة ونجد والحجاز وفيها يقول الشاعر:

كأن المطايا لم تنخ بتهامةٍإذا صعدت من ذات عرق صدورها

وقال آخر من أهل ذات عرق:

ونحن بسهبٍ مشرفٍ غير منجدولامتهمٍ فالعين بالدمع تشرق

النص من طبعة بريل في ليدن (١٨٨٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صفة جزيرة العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.