من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ومن مختار شعره فى المعاتبات
قال
ألا حبّذا الوجه الّذى صدّ صاحبهوإن كثرت ظلما علىّ معاتبه
وما أمّ منقوض الظّلوف مروّعتمدّ إليه جيدها أو تراقبه
وتلقم فاه كلّما تاق حافلاكعروة زرّ فى قميص تجاذبه
بأحسن منها نظرة مستريبةيغالبها كيد البكا وتغالبه
وما راعنى بالبين إلّا ظعائندعون بكائى فاستجاب سواكبه
بدت فى بياض الال والبعد دونهاكأسطر رقّ أبهم الخطّ كاتبه
وقولة أقوام عدى قد سمعتهافما هبتها وأين ما أنا هائبه
لحومهم لحمى وهم يأكلونهوما داهيات المرء إلّا أقاربه
وما نسب الأقوام إلّا عداوةوأكثر ما يسعى به من يناسبه
مسلّلة فى كلّ يوم سيوفهومشبوبة حيّاته وعقاربه
وما ذاك همّى بل أرقت لبارقتوقّد فى ثوب الدّجنّة ثاقبه
بخلت به عن كلّ أرض وأهلهاسوى أنّنى للأحمديّة واهبه
قرى للزّمان الصّعب ويحك واصبرىفما ناصحات المرء إلّا تجاربه
ولا تحزنى إن أغلق الوفر بابهفبعد انغلاق الباب يأذن حاجبه
وقال
قد عضّنى صرف النّوائبورأيت آمالى كواذب
والمرء يعشق لذّة الدّنيا فتعقره المصائب
ما عابنى إلّا الحسود وتلك من خير المناقب
وإذا ملكت المجد لمتملك مودّات الأقارب
وإذا أطاعك ظاهرفاصبر على عبث المعايب
ولربّ هاجرة أكول حرّها صبر الرّكايب
كلّفتها وجناء يذرع خطوها عرض السّباسب
والشّمس تأكل ظلّهاأكل اللّظى عيدان حاطب
كاد النّجاء يطيرهالولا الأزمّة والحقايب
وكأنّما تبدى ذفاريها بأرباق الجنايب
حتّى رأيت اللّيل فى الآفاق مسودّ الذّوائب
وقال
من يذود الهموم عن مكروبمستكين لحادثات الخطوب
هو فى جفوة المفادير لايأخذ يوما من دولة بنصيب
خادم للمنى قد استعبدتهبمطال وخلف وعد كذوب
آه من ذكر أصدقاء رماهمقدر الموت من كهول وشيب
فسقاهم كجودهم أو كدمعىصوب مزن ذى هيدب مسكوب
ربّ أعجوبة من الدّهر بكروعوان قد راضها تجريبى
فبدت شيبتى وولّى شبابىوانتهى عاذلى ونام رقيبى
أنا ريحانة المجالس فى السّلم وحتف الأبطال يوم الحروب
وقال
حثّ الفراق بواكر الأحداج[وشجاك] يوم نأوا بكتم شاجى
فى ليلة أكل المحاق هلالهاحتّى تبدّى مثل وقف العاج
والصّبح يتلو المشترى فكأنّهعريان يمشى فى الدّجى بسراج
يا من يدسّ لى العداوة ضغنهأسريت بى فاصبر على الادلاج
أنا كالمنيّة سقمها قدّامهاطورا وطورا يبتدى فيفاجى
وقال
طمس المشيب خطوط ميعتهورمى قناة قوامه بأود
قال العواذل حين شبت ألاينهاك شيب الرّأس قلت فقد
ونهار شيب الرّأس يوقظ منقد كان فى ليل الشّباب رقد
يا من لسارية سهرت لهابرق السّحاب بجودها ورعد
مكظوظة بالماء واطئةآثار رجل المحل حيث قصد
والأرض إن قتل الهجير لهاولدا أعاش لها الرّبيع ولد
ولقد وطئت الغيث تحملنىطرف كلون الصّبح حين وفد
يمشى فيصدف فى العنان كماصدف المعشّق ذو الدّلال وصدّ
بلّ المها بدمائهنّ ولميبتلّ منه بالحميم جسد
ولربّ خصم جاش مرجلهأطفأت حرّ جحيمه فبرد
وسفرت عن وجه اليقين لهوهدمت باطله وكان ألد
لى صاحب إن غبت يأكلنىوإذا رآنى فى النّدىّ سجد
كم قد هممت بأن أعاقبهيوما فما وجد العقاب أحد
والدّهر يهدم ما بنى بيدمنه وإن زرع السّرور حصد
وقال
هاجت بكاءك بعد الطّير منزلةعفّت معالمها الأمطار والمور
تضاحك الشّمس أنوار الرّياض بهاكأنّما نثرت فيها الدّنانير
ويكسب الرّيح من أرجائها عبقاكأنّ نفحته مسك وكافور
أأوّل اللّيل منظوم بآخرهأم الصّباح بنحر اللّيل مغمور
قل للمطالب قد أنضى ركائبهلا تعجلنّ فانّ الرّزق مقدور
ومهمه فيه بيضات القطا كسراكأنّها فى الأفاحيص القوارير
كأنّ حرباءه والشّمس تصهرهصال دنا من لهيب النّار مقرور
وعازب بلّه تحت الثّرى سحراطلّ تلقّى نسيما فهو محسور
تكلّم اللّيل فى غدرانه لغطيحكى المناقيش فيهنّ المناقير
خال يغرّد ذبّان الرّياض بهكما تحنّ لدى الشّرب المزامير
يكسو البلاد قميصا من زخارفهكأنّه فوق جسم الأرض مزرور
وقد يباكرنى السّاقى بصافيةكأنّها قبس بالكفّ مشهور
يريق فى كأسها من صوب عاديةفالخمر ياقوتة والماء بلّور
وقال
تنكّرت الدّنيا وغيّرت النّاساوما كنت أخشى أن تغيّر عبّاسا
فها هو ذا عن حاجتى متثاقليروح ويغدو ليس يرفع لى راسا
إذا نفرت من صدّه النّفس نفرةيقول لها إحسانى الظّنّ لا باسا
عسى يرعوى عن ذا، دعيه لعلّهيعود إلى الحسنى فلا تسرعى الياسا
وقال
وممّا شجانى بارق لاح موهنافصبّ إناء الدّمع واستلب الغمضا
فبتّ ولى خصم من الشّوق غالبإذا ما دعى دمعى تحدّر وارفضّا
وأهدته دعواتى لنجد وأهلهافيا أهل نجد هل تجاوزننى قرضا
أرى كلّ يوم فى ظلام مفارقىشهاب مشيب باقى الأثر منقضّا
وكانت يد الأيّام تفتل مرّتىفصارت يد الأيّام تنقضنى نقضا
وكيف ثوائى بين قوم كأنّماترضّ تحيّاتى وجوههم رضّا
سرت عقرب الشّحناء والبغض بينناولا يملك اليأس المحبّة والبغضا
وقال
أغرى الخيال بنومى نازع شحطوكنت فيه بقرب الدّار مغتبطا
لمّا تربّع فى أحشاء هودجهوهى من العين سلك الدّمع فانخرطا
إذا دجاليله فاحت مضاجعهمسكا كما فتحت عطّارة سفطا
وقد هوى النّجم والجوزاء تتبعهكذات قرط أدارته وقد سقطا
أروح للشّعرة البيضاء ملتقطافيصبح الشّيب للسّوداء ملتقطا
وسوف لا شكّ يعيينى فأتركهفطالما أستخدم المقراض والمشطا
وقال
وسابح هيكل نهد مراكبهيبوع بالخطو يوما وهو مشترف
تمّت له غرّة كالصّبح مشرقةيكاد سابلها عن وجهه يكف
إذا تقرّط يوما بالعنان غداكأنّه غادة فى أذنها شنف
قل لقريش ألم نستحى حلمكممن حلمنا فاتّقونا إنّنا أنف
نحن الفروع وأصل الفرع أنت لنالا يعرف الأصل ما لم يؤثق الطّرف
لك الثّرى فاسكنى إصعاده ولناطيب الثّمار وفرع المجد والشّرف
لا تطلبوا غاية مدّت لغيركمدعوا جيادكم تجرى ولا تقف
وقال
يا بارحا أحرجت من ذكرهقد ذاق قلبى منك ما خافا
فابخل باخوانك واستبقهملا تنفق الاخوان إسرافا
وقال
ولمّا لحقنا الظّاعنين وأرقلتجمال بنا تشكو الكلال ونوق
أشرن على خوف بأغصان فضّةمقوّمة أطرافهنّ عقيق
سلاما كاسراء النّدى تحت ليلهأتى حيث لم يرصد عليه طريق
وشكوى لو أنّ الدّمع لم يطف حرّهاتولّد منها بينهنّ حريق
خليلىّ مدّا اللّحظ هل تبصرانهافهل بلغت بالأبرقين بروق
سقى دار شرّ حيث قرّت بها النّوىمن الأرض هطّال الغمام فتوق
إذا لاح ضوء الصّبح خلّل روضهنسيم ضعيف الجانبين دقيق
ترى هاجع الأنوار يرفع رأسهكذى العشى يلقى راحة فيفيق
بنى عمّنا إنّا فريق على العدانفلّ شباهم والأنام فريق
فلا تلهبوا نار العداوة بيننافليس سواكم فى قريش صديق
وقال
لا لوم إن بكّى الدّويرة باكيا دار جازك وابل وسقاك
أىّ المعاهد فيك أندب طيبهممساك ذى الآصال أم مغداك
أم برد ظلّك ذى الغصون وذى الجناأم أرضك الميثاء أم ريّاك
وكأنّما سطعت مجامر عنبرأوفتّ فار المسك فوق ثراك
وكأنّما حصباء أرضك جوهروكانّ ماء الورد دمع نداك
وكأنّما أيدى الرّبيع ضحيّةنشرت ثياب الوشى فوق رباك
وكأنّ درعا مفرغا من فضّةماء الغدير جرت عليه صباك
يا ربّ خرق قد قطعت نياطهبنجاء خاذلة لديه يراك
والآل تنزو بينه أمواجهنزو القطا الكدرىّ فى الأشراك
عبّاس لا تستعجلى لمنيّتىواستيقنى لمعمّر هتّاك
فوزى بمثلى أو فنوحى واندبىلا تبخلى عن ماجد ببكاكى
لا تخبرينى واسألينى إنّنىعاركت هذا الدّهر أىّ عراك
ولقد أصابنى الزّمان ببؤسهونعيمه فغفرت ذاك لذاك
أسللت سيفى تسفكين به دمىولقد سفكت به دماء عداك
إن كنت لانعمى شكرت ولا بهاجازيتنى فاليك بعض أذاك
إيّاك من بطر على رحم دنتلا تنقضى بيد العقوق قواك
وقال
ألا حىّ من أجل الأحبّة منزلاتبدّل من آياته ما تبدّلا
أبن لى سقاك الغيث حتّى تملّهعلى الأنس المفقود أين تحمّلا
كأنّ التّصابى كان تعريس نازلثوى ساعة من ليله وترحّلا
وماء كأفق الصّبح صاف جمامهرفعت القطا عنه وألقيت كلكلا
إذا استجفلته الرّيح جالت قذاتهوجرّد من أغماده فتسلّلا
وبيداء ممحال أطرت بها القطاكما قذفت أيدى الموامىّ جندلا
جريت به سبّاح قفر كأنّهيخاف لقاحا أو يبادر موئلا
كأنّى على حفياء يتلو لواقحاعدون بامساء يؤمّمن منهلا
فلمّا وردن الماء أغمد صفوهكما أغمدت أيدى الصّياقل منصلا
أتيح لها لهفان يحطم قوسهباصفر حنّان القرى غرّا عزلا
وأودعها سهما كمدرى مواشطبعثن به فى مفرق فتغلغلا
بطيئا إذا أعجلت إطلاق فوقهولكن إذا أبطأت فى النّزع عجّلا
بنى عمّنا أيقظتم الشّرّ بيننافكانت اليكم عدوة الشّرّ أعجلا
فصبرا على ما قد جررتم فانّكمفتحتم لنا بابا من الغيب مقفلا
ولمّا أشبّ الضّغن تحت صدورهمحسمناه عنّا قبل أن يتكمّلا
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع