تجاوز إلى المحتوى

من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

أخبار أبى العبر ونسبه

هو ابو العباس بن محمد بن أحمد ويلقب حمدونا الحامض بن عبد الله بن عبد الصمد بن على بن عبد الله بن العباس المستوى فى أول عمره منذ أيام الامين، وهو غلام إلى أن ولى المتوكل الخلافة، فترك الجد وعدل الى الحمق والشهرة به، وقد نيف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع مشاهدته أبا تمام والبحترى وأبا السمط بن أبى حفصة، ونظراءهم.

حدّثنى عمى عبد العزيز بن حمدون قال سمعت الحامض يذكر أن أبنه أبا العبر ولد بعد خمس سنين خلت من خلافة الرشيد، قال وعمر إلى خلافة المتوكل، وكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان فى عصره بالجد ونفق نفاقا عظيما، وكسب فى أيام المتوكل مالا جليلا،

وله فيه أشعار حميدة يمدحه بها، ويصف قصره وبرج الحمام والبركة، كثيرة المحال، مفرطة السقوط، لا معنى لذكرها، سيما وقد شهرت فى الناس وحدّثنى محمد بن الازهر، قال حدثنى الزبير بن بكار، قال قال عمى ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهر به، وفضح عشيرته، والله إنه لعر بنى آدم جميعا، فضلا عن أهله والادنين أفلا يردعه ويمنعه من سوء اختياره؟ فقلت إنه ليس بجاهل كما تعتقد، وإنما يتجاهل، وإن له لأدبا صالحا، وشعرا طيبا، ثم أنشدته [له]:

لا أقول الله يظلمنىكيف أشكو غير متّهم
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
وإذا مالدّهر ضعضعنىلم تجدنى كافر النّعم
قنعت نفسى بما رزقتوتناهت فى العلا هممى
ليس لى مال سوى كرمىوبه أمنى من العدم

فقال لى ويحك، فلم لا يلزم هذا وشبهه؟ فقلت له والله يا عم لو رأيت ما يصل اليه بهذه الحماقات لعذرته، فان ما استملحت له

لم ينفق، فقال عمى وقد غضب أنا لا أعذره فى هذا ولو حاز به الدنيا بأسرها، لا عذرنى الله إن عذرته إذن.

وحدّثنى مدرك بن محمد الشيبانى قال حدثنى ابو العميس الصيمرى قال قلت لأبى العبر ونحن فى دار المتوكل، ويحك إيش يحملك على هذا السخف الذى قد ملأت به الارض خطبا وشعرا وأنت أديب ظريف مليح الشعر؟

فقال يا كشخان أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟ وأيضا أتتكلم؟

تركت العلم وصنعت فى الرقاعة نيفا وثلاثين كتابا؟

أحب أن تخبرنى لو نفق العقل أكنت تقدم على البحترى، وقد قال فى الخليفة بالامس:

عن أىّ ثغر تبتسموبأىّ طرف تحتكم
للشاعر البحتري، من قصيدة «عن أي ثغر تبتسم»

فلما خرجت أنت عليه وقلت:

فى أىّ سلح ترتطموبأىّ كفّ تلتطم
للشاعر أبو العَنبَس الصَيمَري، اقرأ القصيدة
أدخلت رأسك فى الرّحموعلمت أنّك تنهزم
للشاعر أبو العَنبَس الصَيمَري، اقرأ القصيدة

فأعطيت الجائزة وحرم، وقربت وأبعد. فى حر أمك وحر أم كل عاقل معك. فتركته وانصرفت.

قال مدرك: ثم قال لى أبو الغبر قد بلغنى أنك تقول الشعر فان قدرت أن تقوله جيدا جيدا، وإلا فليكن باردا باردا مثل شعر

ابى العبر، وإياك والفاتر فانه صفع كله.

حدّثنى جعفر بن محمد بن قدامة، قال حدثنى ابو العيناء قال انشدت ابا العبر

ما الحبّ إلّا قبلةوغمز كفّ وعضد
أو كتب فيها رقىأنفذ من نفث العقد
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «ما الحبُّ إلا قُبَلٌ»
من لم يكن ذا حبّهفانّما يبغى الولد
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «ما الحبُّ إلا قُبَلٌ»
ما الحبّ إلّا هكذاإن نكح الحبّ فسد
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «ما الحبُّ إلا قُبَلٌ»

فقال لى كذب المأبون وأكل من خراى رطلين وربعا بالميزان فقد أخطأ واساء ألا قال كما قلت

باض الحبّ فى قلبىفواويلى إذا فرّخ
وما ينفعنى حبّىإذا لم أكنس البربخ
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «وباض الحب في قلبي»
وإن لم يطرح الأصلع خرجيه على المطبخ
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «وباض الحب في قلبي»

ثم قال كيف ترى؟ قلت عجبا من العجب قال ظننت أنك تقول لا فأبل يدى وأرفعها ثم سكت فبادرت وانصرفت خوفا من شره حدّثنى عبد العزيز بن احمد عم أبى قال كان ابو العبر يجلس بسر من رأى فى مجلس يجتمع عليه فيه المجان يكتبون عنه، فكان

يجلس على سلم وبين يديه بلاعة فيها ماء وحمأة وقد سد مجراها وبين يديه قصبة طويلة وعلى رأسه خف وفى رجليه قلنسيتان ومستمليه فى جوف بئر وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة ويقل السماع ويصيح مستمليه من جوف البئر من يكتب عذبك الله، ثم يملى عليهم، فأن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاعة إن كان وضيعا، وإن كان ذا مروة رشش عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس فى الكنيف إلى أن ينفض المجلس ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين قال وكانت كنيته أبا العباس فصيرها أبا العبر ثم كان يزيد فيها فى كل سنة حرفا حتى مات، وهى أبو العبر طرد طيل طليرى بك بك بك حدّثنى جحظة قال رأيت أبا العبر بسر من رأى وكان أبوه شيخا صالحا، وكان لا يكلمه، فقال له بعض إخوانه لم هجرت ابنك؟ قال فضحنى كما تعلمون بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك حتى يهجننى ويؤذينى ويضحك الناس منى، فقالوا له أى شىء من ذاك وبماذا هجنك؟ قال اجتاز على منذ أيام ومعه سلم فقلت له ولاى شىء هذا معك؟ فقال لا أقول لك فأخجلنى وأضحك بى كل من كان عندى،

فلما أن كان بعد ايام اجتاز بى ومعه سمكة، فقلت له إيش تعمل بهذه؟ فقال انيكها فحلفت لا أكلمه أبدا أخبرنى عمى عبد الله قال سمعت رجلا سأل ابا العبر عن هذه المحالات التى يتكلم بها أى شىء أصلها قال أبكر فأجلس على الجسر ومعى دواة ودرج فأكتب كل شىء أسمعه من كلام الذاهب والجائى والملاحين والمكارين حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضا وألصقه مخالفا فيجىء منه كلام ليس فى الدنيا احمق منه اخبرنى عمى قال رايت ابا العبر واقفا على بعض آجام سر من رأى وبيده اليسرى قوس جلاهق، وعلى يديه اليمنى باشق، وعلى رأسه قطعة رئة فى حبل مشدود بأنشوطة وهو عريان فى ايره شعر مفتول مشدود فيه شص؟؟ قد القاه فى الماء للسمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له خرب بيتك إيش هذا العمل؟ فقال اصطاد يا كشخان يا أحمق بجميع جوارحى؛ إذ امر بى طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريبا منى أرسلت اليه الباشق، والرئة التى على رأسى يجىء الحدأ ليأخذها فيقع فى الوهق، والدوشاب أصطاد به الذباب، وأجعله فى الشص فيطلبه السمك ويقع فيه. والشص فى ايرى فاذا مرت به السمكة أحسست بها فأخرجتها قال وكان المتوكل يرمى به فى المنجنيق الى الماء وعليه قميص

حرير فأذا علا فى الهواء صاح الطريق الطريق، ثم يقع فى الماء فتخرجه السباح قال وكان المتوكل يجلسه على الزلاقة فينحدر فيها حتى يقع فى البركة ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، ففى ذلك يقول فى بعض حمقاته

ويأمر بى الملكفيطرحنى فى البرك
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
ويصطادنى بالشّبككأنّى من السّمك
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة

وحدّثنى جعفر بن قدامة قال قدم ابو العبر بغداد فى أيام المستعين وجلس للناس فبعث إسحق بن ابراهيم فأخذه وحبسه فصاح فى الحبس «لى نصيحة» فاخرج ودعا به اسحق فقال هات نصيحتك قال على ان تؤمننى قال نعم، فقال الكشكية لا تطيب إلا بالكشك. فضحك اسحق وقال هو فيما أرى مجنون فقال لا «هو امتخط حوت» قال ايش هو امتخط حوت؟ ففهم ما قاله وتبسم ثم قال اظن انى فيك مأثوم، قال لا ولكنك فى ماء بصل فقال اخرجوه عنى إلى لعنة الله ولا يقيم ببغداد فأرده إلى الحبس، فعاد الى سرمن رأى، وله اشعار ملاح فى الجد منها ما أنشدنيه الاخفش له

يخاطب غلاما أمرد

ايها الأمرد المولع بالهجر أفق ما كذا سبيل الرّشاد
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، من قصيدة «أَيهَا الْأَمْرَد المولع بالهج»
فكأنّى بحسن وجهك قد ألبس فى عارضيك ثوب حداد
وكأنّى بعاشقيك وقد بدّلت فيهم من خلطة ببعاد
حين تنبو العيون عنك كما ينقبض السّمع عن حديث معاد
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، من قصيدة «أَيهَا الْأَمْرَد المولع بالهج»
فاغتنم قبل أن تصير إلى كان وتضحى فى جملة الأضداد
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، من قصيدة «أَيهَا الْأَمْرَد المولع بالهج»

أخبرنى الحسن بن على قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنى أحمد بن على الانبارى قال كنا فى مجلس يزيد بن محمد المهلبى بسر من رأى فجرى ذكر ابى العبر فجعلوا يذكرون حماقاته وسقوطه فقلت ليزيد كيف كان عندك. فقد رأيته؟ فقال ما كان الا أديبا فاضلا ولكنه رأى الحماقة أنفق وانفع له فتحامق، فقلت له انشدك أبياتا له أنشدنيها فانظر لو أراد دعبل فأنه أهجى أهل زماننا أن يقول فى معناها ما قدر على أن يزيد على ما قال، قال أنشدنيها فأنشدته قوله

رأيت من العجائب قاضيينهما أحدوثة فى الخافقين
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
هما اقتسما العمى نصفين فذّاكما اقتسما قضاء الجانبين
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
هما فأل الزّمان بهلك يحيىإذا افتتح القضاء بأعورين
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
وتحسب منهما من هزّ رأسالينظر فى مواريث ودين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «رأيت من الكبائر قاضيين»
كأنّك قد جعلت عليه دنافتحت بزاله من فرد عين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «رأيت من الكبائر قاضيين»

فجعل يضحك من قوله ويعجب منه ثم كتب الابيات اخبرنى الحسن قال حدّثنا محمد بن مهرويه قال حدثنى ابن أبى أحمد قال قال لى أبو العبر إذا حدثك إنسان بحديث لا تشتهى أن تسمعه فاشتغل عنه بنتف ابطك، حتى يكون هو فى عمل وانت فى عمل وقال محمد بن داود حدّثنى أبو عبد الله الداودى قال كان أبو العبر شديد البغض لعلى بن أبى طالب صلوات الله عليه وله فى العلويين هجاء قبيح.

وكان سبب ميتته أنه خرج الى الكوفة ليرمى بالبندق مع الرماة من أهلها فى آجامهم، فسمعه بعض الكوفيين يقول فى على صلوات الله عليه قولا قبيحا استحل به دمه فقتله فى بعض الآجام وغرقه فيها.

ومن شعره]

إن يكن للعيون فى وجهك العيش فانّ القلوب تكوى بجمر
يا قليل النّظير مستطرف الشّكل بديع الجمال مغرى بهجرى
كفّ عنّى الصّدود يا واحد الحسن فقد عيل من صدودك صبرى

وهو القائل

إلهى إنّ بى فقرا اليهوأنت ولىّ إشفاقى عليه
فان لم تقض لى فيه بصبريسلّينى فدعنى فى يديه

وحدّثنى أخوه و] يعرف بسعوط وكان جارنا فى شارع عبد الصمد لأخيه:

هوى [دفين] وهوى بادىاظلم فجازيك بمرصاد
يا واحد [الأمّة فى] حسنهأسرفث فى هجرى وإبعادى
للشاعر أبو العِبَر الهاشمي، اقرأ القصيدة
قد كدت [ممّا نال] منّى الهوىأخفى على أعين عوّادى
عبدك يحيى بأخذه قبلةيجعلها خاتمة الزّاد

حدّثنا أحمد بن محمد الاسدى قال حدثنى أبو العبر أنه كان يهوى غلاما فكان يتيه عليه فى محبته فقال له:

أفبى تتيه وقد علاك الشّعر فى خدّ فحل
وخرجت من حدّ الظّباء وصرت فى حدّ الابل
أصبحت تطلب وصلناعد للعداوة بالخجل

حدّثنا أحمد بن محمد قال قدم علينا ابو العبر من سر من رأى فسألته عن اخباره فقال إن محمد بن عبد الملك قد قصدنى وحبس كتبا بأرزاقى فدخلت عليه فأنشدته:

قم فاسقنى يا محمّدمن سكيرىّ مبرّد
ولا تفنّد عليهافليس مثلى يفنّد

وهذا آخر ما وجد بالأصل الشمسى المنقول عن نسخة مكتبة شهيد على بالأستانة

النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأوراق: أخبار الشعراء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.