من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
قبر النديم
فلما انقضى أكلُنا أُتِينا بشرابٍ، فشرِبَ قدحًا وشربتُ آخر، ثمَّ زفَر زفرةً ظننتُ أن أعضاءه قد نُقِضَت، وقال لي: يا أخي! إنَّ لي نديمًا، فقُم بنا إليه! فقُمتُ وتقدَّمني، ودخل مجلِسًا، فإذا قبرٌ عليه ثوبٌ أخضر، وفي البيت رملٌ مصبوبٌ، فقعَد على الرمل، وطرح لي مُصلًّى، فقلت: والله لا قعدتُ إلا كما تقعُدُ، وأقبل يُردِّد العَبَرات ثمَّ شرب كأسًا وشربت، وأنشأ يقول:
أطأُ الترابَ وأنت رهنُ حُفَيرةٍهالت يدايَ على صَداك ترابَها
إنِّي لأعذرُ مَن مشى إن لم أطأبجفون عيني ما حييت جنابَها
لو أن جمرَ جوانحي مُتَلَبِّسٌبالنار أطفأ حَرَّها وأذابَها
ثمَّ أكبَّ على القبر مغشيًّا عليه، فجاءَه غلام بماءٍ فصبَّه على وجهه، فأفاق فشربَ، ثمَّ أنشأ يقول:
اليوم ثابَ لي السرور لأننيأيقنت أني عاجِلًا بك لاحِقُ
فغدًا أُقاسمكَ البِلى ويسوقنيطوعًا إليكَ من المنية سائقُ
ثمَّ قال لي: قد وجَب حقِّي عليك، فاحضر غدًا جنازتي! قلت: يُطيلُ الله عمرك. قال: إنِّي ميتٌ لا محالة. فدعوتُ له بالبقاء، فقال: لقد عققتني؛ ألا قلت:
جاوِرْ خليلَك مُسعِدًا في رمسهكَيما ينالك في البِلى ما ناله
فانصرفتُ وطالت عليَّ ليلتي، وغدوتُ فإذا هو قد مات.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع