من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
المجنون الشاعر (٢)
أخبَرَنا أبو عليٍّ الحسن بن محمد بن عيسى بقراءتي أو قراءة عليه بمصر، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق قال: أخبرنا إبراهيم بن علي بن إبراهيم البغدادي، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمد بن إسماعيل، قال: حدَّثني المبرِّد، قال: خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون، فلما قربنا من نحو الرقة فإذا نحن بديرٍ كبير، فأقبل إليَّ بعض أصحابي، فقال: مِلْ بنا إلى هذا الدير لننظُرَ مَن فيه، ونحمدَ الله سبحانه على ما رزقنا من السلامة. فلما دخلنا إلى الدير رأينا مجانين مغلولين، وهم في نهاية القذارة، فإذا منهم شابٌّ عليه بقيَّة ثياب ناعمة، فلما بصُر بنا قال: من أين أنتم يا فِتيان، حيَّاكم الله؟ فقلنا: نحن من العراق. فقال: يا بأبي العِراق وأهلها! بالله أنشدوني، أو أُنشدكم؟ فقال المبرِّد: والله إنَّ الشعر من هذا لَطريفٌ. فقلنا: أنشدنا! فأنشأ يقول:
الله يعلم أني كَمِدُلا أستطيع أبثُّ ما أجدُ
روحان لي؛ روحٌ تضمَّنهابلدٌ، وأخرى حازها بلدُ
وأرى المقيمة ليس ينفعهاصبرٌ، ولا يقوى بها جَلَدُ
وأظن غائبتي، كشاهدتيبمكانها تجد الذي أجِدُ
قال المبرِّد، إن هذا لطريفٌ والله، زدنا! فأنشأ يقول:
لما أناخوا قُبيل الصبح عيسَهمُورحَّلوها، فسارت بالهوى الإبلُ
وأبرَزَت من خلال السجف ناظِرهاترنو إليَّ ودمعُ العين مُنهَمِلُ
وودَّعَت ببنانٍ عقدها عَنَمٌناديت لا حملت رجلاك يا جمل!
ويلي من البَيْن! ماذا حلَّ بي وبهامن نازِلِ البَيْنِ حان الحَيْن وارتحَلُوا
يا راحلَ العيس عجِّل كي نُودِّعهايا راحل العيس في ترحالك الأجلُ!
إنِّي على العهدِ لم أنقُض مودَّتهمفليت شعري لطولِ العهد ما فعلوا؟
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع