تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ آداب العرب» لمصطفى صادق الرافعي (ت ١٣٥٦هـ)

شعره (٢)

قد تقدم أن زهيرًا أشهر من عرف من العرب باستثبات اللفظ وتخير الكلمة وتنقيح العبارة؛ فلا جرم كان أحصفهم شعرًا، وأفصحهم لفظًا؛ ولا يزال قد رمي في شعره بالحكمة الرائعة، والمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المنسق النبيل، وقد سلس له النظام، وأطاعه عصي الكلام، فلا تتبين في ألفاظه ذلة الاستكراه، ولا هوان الاعتساف، بل تراه من الروعة والفخامة وحسن الاستواء كأنما كانت تهدر في قلبه لا في شدقه، ولكأني أرى أبياته موازين، فلا تكاد اللفظة تميل في الكفة حتى تقع أختها في الكفة الأخرى فتساويا، ومن أجل ذلك قل المنحول في شعره؛ لأنه ديباجة غير ممزقة، ونسيج غير مخرق، ولا يأخذه نظر الناقد حتى بنفيه، وقد نحلوه أبياتًا يقال إنها لصرمة الأنصاري يقول في أولها:

ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرىمن الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»

"ص: شعراء النصرانية"

فنفاها الأصمعي؛ لأنها لا تشبه كلامه؛ إذ كانت ألفاظ زهير طريقة بينة، وكان شعره نفسًا لا فتور فيه ولا تلبث، وحسبه بمثل هذا الدليل, إذا كان الدخيل في القوم لا يستدل بغير انقطاع نسبه على أنه دخيل.

ويظهر لمن تدبر شعر زهير أنه ضعيف الابتكار والاختراع، لا يعارض في ذلك الفحول المعدودين كامرئ القيس وغيره، ولكن ألفاظه وصنعته غطت على هذا النقص؛ فقلما ينكشف إلا لمن عارض وتتبع؛ وقد تراه يأخذ في صفة من الصفات كنعت الناقة أو حمر الوحش أو طراد الصيد، فلا يزال ينحتها من ألفاظه حتى تتمثل كأنها دمية مصور [إن لم تكن فيها حياة فإن الحسن في تمثالها حي].

وترى الرأي يغلب شعر هذا الرجل، فكأنه شعر سيد لا شعر شاعر، وأكثر ما يظهر ذلك من أبياته الهمزية التي يقال إنه هجا بها آل بيت من كلب من بني عليم بن حبان وذلك حيث يقول فيها "ص: شعراء النصرانية":

وما أدري وسوف إخال أدريأقوم آل حصن أم نساء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
فإن قالوا النساء مخبآتفحق لكل محصنة هداء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
وإما أن يقول بنو مصادإليكم، إننا قوم براء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
وإما أن يقولوا قد وفينابذمتنا فعادتنا الوفاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
وإما أن يقولوا قد أبينافشر مواطن الحسب الإباء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
وإن الحق مقطعه ثلاثيمين أو نفار أو جلاء

وبهذا البيت الأخير سمي زهير قاضي الشعر. أما قوله: وما أدري ... إلخ فهو الذي اختاره علماء البلاغة مثالًا في باب التشكك، وهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغلو والإغراق؛ لأنه يدل على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما؛ فقد أظهر زهير أنه لم يعلم أهم رجال أم نساء؛ وهذا أملح من أن يقول هم نساء؛ وأقرب إلى التصديق، وأبلغ في التهكم والازدراء والتنقص "ص ج: العمدة" ومن هذه القصيدة:

ولولا أن ينال أبا طريفإسار من مليك أو لحاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
لقد زارت بيوت بني عليممن الكلمات آنية ملاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

ولعمري إن هذه الآنية الملاء لطرفة من طرف الاستعارة، وإن حسنها إنما تم بذكر البيوت في صدر الشعر. وفيها أيضًا:

وإني لو لقيتك فاجتمعنالكان لكل مندية لقاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

ويروى: لكل منكرة كفاء، وهي لمحة دالة أشار بها لقبح ما كان يصنع له لو لقيه، وهذا البيت عند قدامة أفضل بيت في الإشارة التي لا يأتي بها إلا الشاعر المبرز والحاذق الماهر.

ولا بأس أن ننسحب على هذا الأثر من البديع، فإن ذلك من متممات زهير، ولولاه لما كان لصنعته شأن، وقد كان يتوكأ في هذه الطريقة على من تقدمه من الفحول ويلوذ بهم، كامرئ القيس وأوس بن حجر وابي دؤاد الإيادي، كما اتبع في صفته امرأ القيس قوله:

كأن فتات العهن في كل منزلنزلن به حب الفنا لم يحطم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فإنه أوغل في التشبيه إيغالًا؛ بتشبيهه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم؛ لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض ألبتة، وكان خالص الحمرة، وقد اتبع بيت امرئ القيس:

كأن عيون الطير حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي مل يثقب

وكذلك اتبع في نفي الشيء بإيجابه حيث يقول:

بأرض خلاء لا يسد وصيدهاعلي ومعروفي بها غير منكر

فأثبت لها في اللفظ وصيدًا، وإنما أراد ليس لها وصيد فيسد، وله في المبالغة والتتميم العجيب قوله:

من يلق يومًا على علاته هرمًايلق السماحة منه والندى خلقا

فإنه يريد بقوله: "على علاته" ما يكون من قلة المال والعدم، أي: فكيف به وهو على خير تلك الحال، وقد جاء له في هذه القصيدة:

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

قالوا إنه أتى بجميع ما استعمل في وقت الهياج وزاد ممدوحه رتبة وتقدم به خطوة على أقرانه، وهو نوع من التقسيم تأتي فيه الزيادة تدريجًا وترتيبًا، ولذلك يصعب على متعاطيه ويقل جدا حتى إنهم لم يجدوا من الشعر عديل هذا البيت "ص ج: العمدة".

ذلك بعض صنعته، أما معانيه فإن أكثر ما قدم به زهير المديح، وهو الذي ألقى عن المادحين فضول الكلام، وله في ذلك أبيات لم يسبق إليها، كأبياته القافية التى يقول فيها:

من يلق يومًا على علاته هرما

ونحو ذلك:

من ضريبته التقوى، ويعصمهمن سيئ العثرات الله والرحم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»
مورث المجد لا يغتال همتهعن الرياسة لا عجز ولا سأم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

وقصيدته اللامية التي مطلعها:

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو

وفيها يقول:

على مكثريهم رزق من يعتريهموعند المقلين السماحة والبذل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
وما يك من خير أتوه فإنماتوارثه آباء آبائهم قبل
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة
وهل ينبت الخطي إلا وشيجةوتغرس إلا في منابتها النخل
للشاعر محمد ولد ابن ولد أحميدا، من قصيدة «سبت لبه من بعد كبرته جمل»

كذلك أبياته التي استجمع فيها ضروب المديح من العقل والعفة والعدل والشجاعة، وهي التي يقول فيها، وهي من المديح المنصوص عليه، وقد عدوها شرفًا لمن قيلت فيهم:

أخي ثقة لا تتلف الخمر مالهولكنه قد يهلك المال نائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
تراه إذا ما جئته متهللًاكأنك تعطيه الذي أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وقد اختارها قدامة في نقد الشعر وشرحها على ذلك التقسيم.

ونحن لسنا في سبيل الاختيار، وإنما نسوق ما لا يزيلنا عن طريق البحث؛ ولزهير طريقة في تقريب المبالغة والبلوغ إلى الإفراط والإغراق من طريق الحقيقة، كراهية للكذب الثقيل، وبغضة لسوء التأليف الذي يجيء من ناحية الإغراب، فتراه يداور المعاني حتى يبصر لها طريقًا إلى الحقيقة، ويجد لها مخلصًا إلى الواقع كقوله:

لو كنت من شيء سوى بشركنت المنور ليلة البدر
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أصرمت حبل الوصل من فتر»

وقوله أيضًا:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرمقوم بأولهم أو مجدهم قعدوا

وعلى هذه الطريقة يحمل قول عمر: إنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه، ولا ترى زهيرًا يشذ عنها في شيء، حتى لقد بلغ من معرفتهم ذلك له أنهم حملوا عليه الجواب المروي عن أوس بن حجر حين سأله رجل وقد سمعه يقول:

ولأنت أشجع من أسامة إذدعيت نزال ولج في الذعر

فقال له: أنت لا تكذب في شعرك، فكيف جعلته أشجع من الأسد؟ فقال أوس: إني رأيته فتح مدينة وحده، وما رأيت أسدًا فتحها قط, وذلك لتخصص زهير بتلك الطريقة والتزامه إياها.

على أن سبب هذا الالتزام قد يكون من ضعف الخيال؛ لأنه لم تستقل له طريقة فيه، ولا هو كان من المتبسطين في فنون المجاز، كما قد يكون أنفة ونزوعًا إلى مذاهب السيادة، وتورعًا عن أمثال تلك التكاذيب، وهو الأرجح عندنا لما قدمنا من أن هذا الرجل خلق سيدًا قبل أن يخلق شاعرًا؛ ولذلك قصر مديحه ولم يجعله تجارة كما جعله الأعشى، ولا انحط فيه إلى تساقط الهمة كما فعل النابغة، ولا زين باطلًا، ولا اختلق موضوعًا، بل كان مديحه تاريخًا صحيحًا.

ومن أجل هذا كان لا يحتال إلى التخلص في قصائده، بل يقتضب المديح، أو يتخلص بمثل

قوله:

دع ذا وعد القول في هرم

ولو شاء ذلك تفتقت له الحيلة؛ ثم كان يتناول البسيط من معاني المديح وما لا يمدح به عادة؛ فتدفعه سلامة النية إلى إقحامه في شعر كقوله:

لعمر أبيك ما هرم بن سلمىبملحي إذا اللؤماء ليموا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن طلل برامة لا يريم»

فهذا البيت لا يرضى أحمق العرب أن يمدح به، ولكن زهيرًا يعرف أن هرمًا يرضاه، بل يعرف كيف يرضيه به، ومثله قوله في معناه:

إن البخيل ملوم حيث كانولكن الجواد على علاته هرم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

وكلمة "على علاته" هذه لا تزال تدور في الناس إلى اليوم، وكذلك كلمته في قوله:

لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم

يعني المنية، فقد أجراها الظرفاء على الحذف، فيقولون إلى حيث ألقتلمن يودعون وجهه ويستقبلون قفاه

النص من طبعة دار الكتاب العربي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تاريخ آداب العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.