من «تاريخ آداب العرب» لمصطفى صادق الرافعي (ت ١٣٥٦هـ)
مذاهبه في الشعر
ليس فيما وقع إلينا من شعر الجاهلية ما ينطق بأن صاحبه شاعر قبيلة بمجموع هذا المعنى، غير شعر طرفة؛ فهو إذا فخر رأيته يتكلم بلسان ملك قد ضمن طاعة قومه واستمسك بميثاقهم؛ وما [كان] أحق امرئ القيس بمثل هذا الفخر فيقيم به جهة من شعره قد تركها وهي تريد أن تنقض.
وقد وصف طرفة النوق وصفًا شعريا، ولكنه قصر في صفة الخيل وجاءت في كلمه متفرقات من الحكم والأمثال، وهي أبدع ما في شعره، ثم هو قد ضرب في الهجاء بالسهم الصائب ورجم فيه بالشهاب الثاقب، ولكنه قليل المديح نازل الطبقة فيه؛ ولم يؤثر له من ذلك إلا ما يرد على قومه، وهو مدحه لقتادة بن سلمة الحنفي حين أصاب قومه سنة فأتوه فبذل لهم؛ وثم أبيات قالوا إنه مدح فيها سعد بن مالك حين أطرد فصار في غير قومه وقد ذكرهم فيها بقوله:
وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورًاسوى حيه إلا كآخر هالك
ولعل مديحها منحول إذ يقول فيه:
رأيت "سعودًا" من شعوب كثيرةفلم ترعيني مثل سعد بن مالك
وليس مثل هذا مما يقوله طرفة:
ويمتاز هذا الرجل بالمبالغة والإغراق، فكأنه ينظر إلى دقائق الوصف بعين من البلور ... وذلك كقوله في وصف الناقة:
كأن جناحي مضرحي تكنفاحفافيه شكا في العسيب بمسرد
فطورًا به خلف الزميل وتارةعلى حشف كالشن ذاو مجدد
لها فخذان عولي النحض فيهماكأنهما بابا منيف ممرد
كأن كناسي ضالة يكنفانهاوأطر قسي تحت صلب مؤيد
لها مرفقان أفتلان كأنماأمرا بسلمى دالج متشدد
كقنطرة الرومي أقسم ربهالتكتنفن حتى تشاد بقرمد
فقد أراد أن يصف ذنب الناقة بكثرة الهلب، وهو الشعر الكثير، فشبهه بجناحي النسر، وجعل فخذيها كبابي الصرع الممرد، وشبه تباعد ما بين مرفقيها وزورها بكناس الظبي حول الشجر، ثم شبه الناقة في ارتفاعها بقنطرة الرومي الذي جعله يقسم على قنطرته لتحاطن بالبناء ولتشادن بالقرمد، ولعمري ليس هذا القسم بأكثر من اللغو. وقد مر في مثل هذه التشبيهات حتى وصل إلى عيني الناقة فجعلهما، من حجاجيهما في مثل غارين من الجبل، ولوأنه مد في عنق هذه الناقة فشبهه بأطول من خراطيم السحاب.
وإنما تحسن المبالغة إذا لم يكن التشبيه منكشفًا هذا الانكشاف فيكون في إحدى جهاته سبب الأسباب التي يصح أن تتعلق عليه المبالغة، وسيأتيك هذا في موضعه مفصلًا.
ومن نوع قسم الرومي في شعر طرفة قوله متغزلًا يصف الأقحوان:
وتبسم عن ألمى كأن منورًاتخلل حر الرمل دعص له ندي
سقته إياة الشمس إلا لثاتهأسف ولم تكدم عليه بإثمد
فحاصل البيتين أنه يشبه ثغر التي يتغزل فيها بالأقحوان الندي، ويقول إنها قد ذرت الإثمد على لثاتها "وسائر العرب يفعلن ذلك في الشفاه واللثات ليكون أشد للمعان الأسنان" غير أن تخلل الدعص الندى من الأقحوان المنور لحر الرمل، والوصول من ذلك كله إلى تشبيه الثغر بالرفيف واللمعان لا يعد فلاحًا في الغزل وأولى به أن يكون فلاحة.
والصنعة في شعر طرفة قليلة إلا أنها جيدة، وأرى شعر هذا الرجل كالشباب: حقيقة جماله في القوة والمتانة؛ فإن اتفق معه شيء من ظواهر الجمال كان ذلك بمجموعه كمالًا، فمن مشهور استعاراته قوله:
فإذا ما شربوها وانتشواوهبوا كل أمون وطمر
ثم راحوا عبق المسك بهميلحفون الأرض هداب الأزر
وهي غاية من غايات هذا الجواد: فإن البيت يصور الجمال والقوة والكبرياء، ويكاد يريك الناس مطرقين قد تعلقت أعينهم بهداب تلك الأزر. ومن هذه القصيدة بيت دائر في كتب اللغة والأدب،
وهو قوله:
نحن في المشتاة ندعو الجفلىلا نرى الآدب فينا ينتقر
غير أن حياة هذا البيت تاريخية لا شعرية؛ لأنه إنما سار وبقي للاستشهاد بألفاظه؛ ومن كلماته الجميلة قوله: "وعامت بضبعيها". إذ يصف الناقة بأنها تمد يديها كهيئة السابح، وقوله: "طراد الغرام" في صفة قومه بالبذل والسفه، وقوله في صفة الحرب يذكر قومه:
لا ترى إلا أخا رجلآخذًا قرنا فملتزمه
فهذه الكلمة "أخا رجل" في موضعها من أبلغ الكلم، بل هي من جوامعها؛ لأنها تدل على كثرة قومه وإقدامهم، وتوزعهم في الحرب توزع الآجال واستغراقهم أعداءهم، إلى نحو ذلك؛ ومن هذه القصيدة الحكمة السائرة:
للفتى عقل يعيش بهحيث تهدي ساقه قدمه
ومما أختاره له في الحماسة قوله:
وأعلم علمًا ليس بالظن أنهإذا ذل مولى المرء فهو ذليل
وأن لسان المرء ما لم يكن لهحصاة على عوراته لدليل
ولا يزال الكتاب لعهدنا يكتبون "علم ليس بالظن" وهم يظنون أنها معربة ... وقد جاءت في شعر إسلامي من شعر المائة الأولى: وأعلم غير الظن، وهي أبلغ وأوجز.
النص من طبعة دار الكتاب العربي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر وحواشيه. مصادر الموقع