من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
ابنة أبي ربيعة وأبو مُسْهِر
لعمرك ما حبي لأسماء تاركيصحيحًا، ولا أَقضي به فأموت
أرائحةٌ حُجاج عُذرَة روحةًولما يَرُح في القوم جَعدُ بن مَهجَعِ
خليلَين نشكو ما نُلاقي من الهوىفتًى ما أقُل يسمَع وإن قال أسمَعِ
فلا يُبعِدنك الله خِلًّا، فإننيسألقى كما لاقيتَ في الحُبِّ مصرعي
لئن كانت عديلةُ ذات بثٍّلقد علمَتْ بأن الحب داءُ
ألم تنظر إلى تغيير جسميوأني لا يزايلني البكاء
وأني لو تكلَّفتُ الذي بيلعفَّى الكلم وانكشف الغِطاء
وإن معاشري ورجالَ قوميحتوفُهم الصبابةُ واللقاء
إذا العُذريُّ مات بحتفِ أنفٍفذاك العبد يَبكيه الرِّشاءُ
يا ربَّ كلِّ غدوةٍ وروحهمن مُحرِمٍ يُشكو الضحى ولوحه
أنت حسيب الخطب يوم الدَّوحة
نطعنُهم سلكى ومخلوجةكرَّكَ لأْمَينِ على نابِلِ
قال: فقلت: إنك قد تعبت وأتعبت، فلو نزلت. فثنى رجله فنزل، فشدَّ فرسه بغصنٍ من أغصان الشجرة، ثمَّ أقبل حتى جلس قريبًا مني، فجعل يحدِّثني حديثًا ذكرت به قول الشاعر:
وإن حديثًا منكِ لو تبذلينهجنى النحلِ في ألبانِ عودٍ مطافِلِ
إذا قبَّلَ الإنسانُ آخر يشتهيثناياه لم يأثم وكان له أجرًا
فإن زاد زادَ الله في حسناتهمثاقيل يَمحو الله عنه بها الوزرا
ثمَّ قال لي: ما هذا الذي تعلقتَ في سرجك؟ قلت: شرابٌ أهداه إليَّ بعض أهلك، فهل لك فيه؟ قال: وما أكرهه. فأتيتُه به فوضَعه بيني وبينه، فلما شرب منه شيئًا نظرت إلى عينيه كأنهما عينا مَهاة، قد أضلَّت وَلدًا، أو ذعَرها قانِصٌ، فعلم أين نظري، فرفع عقيرته يغني:
إن العيونَ التي في طرفِها حَوَرٌقتَلْنَنا ثمَّ لم يُحيينَ قتلانا
يَصرعن ذا اللُّبِ حتى لا حراك بهوهُنَّ أضعفُ خلق الله أركانا
قال: قلت: إنِّي لم آتِكَ في نفسي، وإن كنتُ موضع الرغبة، ولكن أتيتكم لابن أختكم العُذري.
قال: والله إنه لكفيء الحسب كريم المنصب، غير أن بناتي لم يقَعْن إلا في هذا الحي من قريش.
قال: فعرَف الجزع من ذلك في وجهي، فقال: أما إنِّي لم أصنع بك شيئًا لم أصنعه بغيرك، أُخيِّرُها ما اختارت.
قال: قلت له: والله ما أنصفْتَني. قال: وكيف ذاك؟
قال: كنتَ تختار لغيري، وولَّيت الخيارَ لي غيرَك.
فأومأ إليَّ صاحبي أن دعه يُخيِّرها. قلت: خيِّرها.
فأرسل إليها أن من الأمر كذا وكذا، فارتئي رأيك. قال: فأرسلت إليه، ما كنتُ لأستبدَّ برأيٍ دون القرشي، أما الخيار فخياري ما اختار.
قال: قد صيَّرَتِ الأمر إليك. فحمدت الله تعالى وصلَّيتُ على نبيه، وقلت: قد زوجتها الجعد بن مَهجَع، وأصدقتُها هذه الألف دينار، وجعلت تكرِمَتَها العبد والقُبَّة، وكسوتُ الشيخَ المُطرفَ، فقَبِلَه وسُرَّ به، وسألته أن يبني بها من ليلته، فأجابني إلى ذلك، وضُربت القبة وسط الحي، وأُهديت إليه ليلًا، وبِتُّ عند الشيخ خير مبيت. فلما أصبحت غدوت، فقمت بباب القبة، فخرج إليَّ وقد تبيَّن الجذل في وجهه. قال: فقلت له: كيف كنتَ بعدي، وكيف هي بعدك؟ قال: أبدت لي كثيرًا مما أخفَت يوم رأيتها. فقلت: ما حملك على ذلك؟ فأنشأ يقول:
كتمتُ الهوى أنِّي رأيتك جازِعًافقلتُ فتًى بعض الصَّديق يُريدُ
وإن تطرحنِّي أو تقول: فَتِيَّةٌيُضِرُّ بها بَرْحُ الهوى فتعودُ
فوَرَّيتُ عما بي وفي الكبد الحشامن الوجد بَرْحٌ، فاعلَمَنَّ، شديدُ
قال: فقلت: أقِم على أهلك، بارك الله لك! وانطلقتُ إلى أهلي، وأنا أقول:
كَفَيتُ أخي العُذريَّ ما كان نابهومثلي لأثقال النوائب أحملُ
أما استحسَنت مني المكارم والعُلىإذا اطُّرِحَت أني أقولُ وأفعلُ
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع