من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
قصة عروة والعفراء
نقلت من خط ابن حَيُّوَيْهِ: حدَّثنا أبو بكر بن المَرْزُبان، حدَّثني أبو العباس فضل بن محمد اليزيدي، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، أخبرني لقيط بن بكر المحاربي، أن عروة بن حزام وعفراء ابنة مالك العُذريَّين، وهما بطن من عذرة يُقال لهم بنو هند بن حزام بن ضبة بن عبد بكير بن عُذرَة، نشئا جميعًا فعلقها علاقة الصبي، وكان عروة يتيمًا في حجر عمه حتى بلغ، فكان يسأل عمه أن يُزوِّجه عفراء فيُسوِّفه، إلى أن خرجت عيرٌ لأهله إلى الشام وخرج عُروةُ إليها، ووفد على عمه ابنُ عمٍّ له من البلقاء يريد الحج فخطبها فزوَّجها إياه.
وأقبل عروةُ في عيره حتى إذا كان بتبوك نظرَ إلى رفقة مُقبلةٍ من نحو المدينة في امرأة على جمل أحمر، فقال لأصحابه: والله إنها شمائل عفراء. فقالوا: ويحك! ما تترُكُ ذكر عفراء لشيءٍ؟ قال: وجاء القوم، فلما دنوا منه وتبيَّن الأمر يبس وبقيَ قائمًا لا يتحرَّك ولا يُحيرُ كلامًا، ولا يُرجِعُ جوابًا حتى بعد القوم، فذلك حيث يقول:
وإني لتعروني لذكراك رِعدَةٌلها بين جلدي والعظامِ دبيبُ
فما هو إلا أن أراها فُجاءةًفأُبهت حتى ما أكاد أُجيبُ
فقلت لعرَّاف اليمامة: داوِنيفإنك إن أبرأتني لطبيبُ
فما بي مِن حُمَّى ولا مس جِنَّةٍولكن عمي الحميري كذوبُ
قال أبو بكر: وعرَّاف اليمامة هو الذي ذكره عروة وغيره من الشعراء هو رياح بن راشد، ويُكنى أبا كُحَيلة، وهو عبد لبني يشكر، تزوَّج مولاه امرأة من بني الأعرج فساقه في مَهرِها ثمَّ ادَّعى بعدُ نسبًا في بني الأعرج.
وفي غير هذه الرواية: شخصٌ بالبلقاء مقيمٌ هو ورَّاني؛ أي أمرضني وهزلني، والوري داءٌ يكون في الجوف مثل القُرحة والسل.
قال سحيم عبد بني الحسحاس:
وراهُنَّ ربي مثل ما قد ورَينَنيوأحمى على أكبادهنَّ المَكاويا
رجع الحديث قال: فانصرفوا به، فأنشأ يقول عند انصرافهم به:
جعلتُ لعرَّاف اليمامة حُكمَهوعرَّاف حِجرٍ إن هما شفياني
فقالا: نعم! نشفي من الداء كلهوقاما مع العُوَّاد يَبتدرانِ
فما تركا من رُقية يعلمانِهاولا سلوةٍ إلا وقد سقياني
فقالا: شفاك الله، واللهِ ما لنابما ضمنَت منك الضلوع يدانِ
قال: فلما قدم على أهله، وكان له أخواتٌ أربعٌ ووالدةٌ وخالةٌ، فمرض دهرًا، فقال لهن يومًا: اعلمنَ أني لو نظرتُ إلى عفراء نظرةً ذهب وجعي، فذهبن به حتى نزلوا البلقاء مُستخفين، فكان لا يزال يُلِمُّ بعفراء وينظر إليها، وكان عند رجلٍ كريمٍ سيِّدٍ كثيرِ المالِ والغاشية.
فبينا عروة يومًا بسوق البلقاء إذ لقيه رجلٌ من بني عُذرة فسأله عن حاله ومقدمه، فأخبره. قال: والله لقد سمعتُ أنك مريض، وأراك قد صححتَ. فلما أمسى الرجل دخل على زوج عفراء فقال: متى قدم عليكم هذا الكلبُ الذي قد فضَحَكم؟ فقال زوج عفراء: أي كلب هو؟ قال: عروة! قال: أوَقد قَدِم؟ قال: نعم! قال: أنتَ والله أَولى بها منه أن تكون كلبًا، ما علمت بقدومه، ولو علمت لضممته إليَّ.
فلما أصبح غدا يَستدلُّ عليه حتى جاءه، فقال: قدمتَ هذا البلد ولم تَنزل بنا، ولم تَرَ أن تُعلمنا بمكانك فيكون منزلكم عندنا وعليَّ، إن كان لكم منزِلٌ إلا عندي. قال: نعم! نتحوَّل إليك الليلة، أو في غدٍ. فلما وَلَّى قال عروة لأهله: قد كان ما ترون، وإن أنتم لم تخرُجوا معي لأركبنَّ رأسي ولألحقنَّ بقومكم فليس عليَّ بأسٌ. فارتحلوا وركبوا طريقهم، ونكس عروة ولم يزل مُدنَفًا حتى نزلوا وادي القُرى.
وروى العمري عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين أن عفراء لما بلغها وفاة عروة قالت لزوجها: يا هَناه! قد كان من أمر هذا الرجل ما بلغَك، ووالله ما كان ذلك إلا على الحسن الجميل، وإنه قد بلَغني أنه مات في أرض غُربةٍ، فإن رأيتَ أن تأذن لي فأخرج في نسوة من قومي فيَندبنه ويبكين عليه. فقال: إذا شئت. فأذن لها، فخرجت وقالت ترثيه:
ألا أيها الركبُ المُحِبُّون ويحكُم!بحقٍّ نَعَيتُم عُرْوَةَ بن حِزَامِ
فلا هنئ الفتيان بعدك غارةٌولا رجعوا من غيبةٍ بسلامِ
فقُل للحبالى لا تُرجِّين غائِبًاولا فرحاتٍ بعده بغُلامِ
قال: ولم تزل تُردِّدُ هذه الأبيات وتبكي حتى ماتت، فدُفِنت إلى جانبه، فبلغ الخبر معاوية، فقال: لو علمتُ بهذين الشريفين لجمعت بينهما.
وقد روي مثل هذا الكلام عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
بي اليأسُ أو داءُ الهيامِ سُقيتُهفإياك عني لا يكن بكَ ما بيا
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع