من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
رجل في ثوب امرأة
أنبأنا محمد بن الحسين الجازري، حدَّثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدَّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدَّثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدَّثنا محمد بن صالح الحسني، حدَّثني أبي عن نمير بن قحيف الهلالي، قال: كان في بني هلال فتًى يُقال له بِشر، ويُعرف بالأشتر، وكان سيدا حسن الوجه شديد القلب سخيَّ النفس، وكان مُعجَبًا بجاريةٍ من قومه تُسمَّى جيداء، وكانت الجارية بارعة، فاشتُهر أمره وأمرها ووقع الشر بينه وبين أهلها، حتى قُتِلَت بينهم القتلى وكثرت الجراحات، ثمَّ افترقوا على أن لا ينزل أحدٌ منهم بقربِ الآخر.
فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني ذات يوم، فقال: يا نُميرُ! هل فيك من خيرٍ؟ قلت: عندي كُلُّ ما أحببت. قال: أَسعدني على زيارة جيداء، فقد ذهب الشوقُ إليها بروحي، وتنغَّصت عليَّ حياتي. قلتُ: بالحب والكرامة، فانهض إذا شئت.
فركبَ وركبتُ معه، فسِرنا يومنا وليلتنا حتى إذا كان قريبًا من مغرب الشمس نظرنا إلى منازلهم، ودخلنا شعبًا خفيًّا، فأنخنا راحلتَينا وَجِلَين، فجلس هو عند الراحلتَين، وقال: يا نمير! اذهَب بأبي أنت وأمي، فادخل الحي واذكر لمن لقيَك أنك طالبٌ ضالَّةً، ولا تُعرِّض بذكري بين شفةٍ ولسانٍ، فإن لقيتَ جاريتها فلانة الراعية فأَقرِئها مني السلام، وسلها عن الخبر، وأعلمها بمكاني.
فخرجتُ لا أُعذَرُ في أمري حتى لقيتُ الجارية، فأبلغتُها الرسالة وأعلمتها بمكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت: بلى والله، مُشدَّدٌ عليها، متحفَّظٌ منها؛ وعلى ذلك فموعدكما الليلة عند تلك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت.
فانصرفتُ إلى صاحبي، فأخبرته الخبر، ثمَّ نهضنا نقود راحلتينا حتى جاء الموعد، فلم نلبث إلا قليلًا إذا جيداءُ قد جاءت تمشي حتى دنت مِنَّا، فوثب إليها الأشتر فصافحها وسلَّم عليها، وقمتُ موليًّا عنهما، فقالا: إنَّا نقسم عليك إلا ما رجعت، فوالله ما بيننا ريبةٌ ولا قبيحٌ نخلو به دونك. فانصرفتُ راجعًا إليهما حتى جلست معهما، فتحدَّثا ساعةً ثمَّ أرادت الانصراف، فقال الأشتر: أما فيكِ حيلةٌ يا جيداء فنتحدث ليلتَنا، ويشكو بعضنا إلى بعض؟ قالت: والله ما إلى ذلك من سبيل إلا أن نعود إلى الشر الذي تعلَم. قال لها الأشتر: لا بدَّ من ذلك، ولو وقعَت السماء على الأرض. فقالت: هل في صديقك هذا من خير أو فيه مساعدة لنا؟ قال: الخير كله. قالت: يا فتى! هل فيك من خير؟ قلت: سلي ما بدا لك، فإني مُنتَهٍ إلى مرادك، ولو كان في ذلك ذهاب روحي.
فقامت فنزعت ثيابها فخلعتْها عليَّ، فلبستُها ثمَّ قالت: اذهب إلى بيتي فادخُل في خبائي، فإن زَوجي سيأتيك بعد ساعة أو ساعتين، فيطلُبُ منك القدح ليَحلب فيه الإبل، فلا تُعطه إياه حتى يُطيلَ طلبه، ثمَّ ارمِ به رميًا ولا تُعطه إياه من يدك، فإني كذا كنت أفعل به، فيذهب فيَحلب، ثمَّ يأتيك عند فراغه من الحلب والقدح ملآن لبنًا، فيقول: هاكِ غبوقك، فلا تأخذ منه حتى تُطيل نكدًا عليه، ثمَّ خذه أو دعه حتى يَضعه، ثمَّ لست تراه حتى تُصبح إن شاء الله.
قال: فذهبتُ، ففعلت ما أمرتني به، حتى إذا جاء القدح الذي فيه اللبن أمرني أن آخذه فلم آخذه حتى طال نكدي، ثمَّ أهويتُ لآخذه وأهوى ليضعه، واختلفت يدي ويده، فانكفأ القدح، واندفق ما فيه. فقال: إن هذا طَمَاحٌ مُفرِطٌ. وضرب بيده إلى مقدم البيت، فاستخرج منه سوطًا مفتولًا كمَتنِ الثعبان المطوق، ثمَّ دخل عليَّ فهتك الستر عني وقبض بشعري، وأتبع ذلك السوط مَتني، فضرَبني تمام ثلاثين. ثمَّ جاءت أمه وإخوته وأختٌ له فانتزعوني من يده، ولا والله ما أقلعوا حتى زايلتْني روحي، وهممتُ أن أوجِرَه السكين وإن كان فيه الموت.
فلما خرجوا عني وهو معهم شددتُ ستري وقعدتُ كما كنتُ، فلم ألبث إلا قليلًا حتى دخلت أمُّ جيداء عليَّ تُكلِّمني وهي تحسبني ابنتَها، فاتقيتُها بالسكات والبكي، وتغطَّيت بثوبي دونها. فقالت: يا بنية! اتقي الله ربَّك ولا تُعرِّضي لمكروهٍ زوجك فذاك أولى بك، فأمَّا الأشتر، فلا أشترَ لك آخر الدهر.
ثمَّ خرَجتْ من عندي، وقالت: سأُرْسِل إليك أختك تؤنسك، وتبيت عندك الليلة. فلبثتُ غير ما كثير، فإذا الجاريةُ قد جاءت فجعلت تبكي وتدعو على مَن ضربني، وجعلتُ لا أكلِّمها، ثمَّ اضطجعت إلى جانبي، فلما استمكَنتُ منها شددتُ بيدي على فيها، وقلت: يا هذه! تلك أختك مع الأشتر، وقد قُطع ظهري الليلة في سببِها. وأنت أولى بالستر عليها، فاختاري لنفسك ولها، فوالله لئن تكلَّمتِ بكلمة لأصيحنَّ بجُهدي حتى تكون الفضيحة شاملةً. ثمَّ رفعتُ يدي عنها، فاهتزَّت الجارية كما تهتزُّ القصبة من الزرع، ثمَّ بات معي منها أملحُ رفيقً رافقتُه، وأعفُّه وأحسنُه حديثًا، فلم تزل تتحدَّث، وتضحك مني ومما بُليتُ به من الضرب حتى برق النور، إذا جيداء قد دخلَت علينا من آخر البيت، فلما رأتنا ارتاعت وفزِعت، وقالت: ويلك! من هذا عندك؟ قلت: أختك. قالت: وما السبب؟ قلت: هي تُخبُرك، ولعمر الله إنها لعالمة بما نزَل بي.
وأخذتُ ثيابي منها، ومضيتُ إلى صاحبي، فركبنا ونحن خائفان، فلما سُرِّيَ عنَّا روعُنا حدثتُه ما أصابني، وكشفت عن ظهري، فإذا فيه ما غرس الله من ضربةٍ إلى جانب أخرى، كل ضرب تُخرج الدم وحدها. فلما رآني الأشتر قال: لقد عظُمتْ صنيعتُك ووَجَبَ شكرُك، إذ خاطرت بنفسك، فبلَّغني الله مكافأتك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع