من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
عاشق أخت زوجته
ذكر أبو عمر محمد بن العباس، ونقلته من خطه، أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، أخبرني أبو بكر العامري، أخبرني رياح بن قطيب بن زيد الأسدي، ابن أخت قريبة أم البهلول، ابنة أباق الدبيرية الأسدية، أخت الركاض بن أباق الدبيري الشاعر، عن قريبة قالت: كان لعبد المخبل — وهو كعب بن مالك، وقال غير قريبة: هو كعب بن عبد الله من بني لأي بن شاس بن أنف الناقة، وهو مِن أهل الحجاز — ابنة عمٍّ له يُقال لها أم عمرو، وكانت أحب الناس إليه، فخلا بها ذات يوم، فنظر إليها وهي واضعةٌ ثيابها، فقال لها: يا أم عمرو! هل تَرَين أن أحدًا من النساء أحسنُ منك؟ قالت: نعم! أختي ميلاءُ أحسنُ مني. قال: فكيف لي بأن تُرينيها؟ قالت: إن علمتْ بك لم تخرُج إليك، ولكن تَختبئ في الستر وأبعث إليها.
قال: ففعلَت، وأرسلَت إليها، وهو في الستر، وجاءت ميلاء، فلما نظر إليها عشقها وترك أختها امرأته، وعارَضها من مكان لا تَحتسبه، فشكا إليها حُبَّها، وأعلمها أنه قد رآها. فقالت: والله يا ابن عم! ما وجدت بي من شيء إلا قد وجدتُ منك مثله. وظنَّت أمُّ عمرو امرأته أنه قد عشِق أختها فتبعتهما وهما لا يدريان حتى رأتهما قاعدَين جميعًا، فمضت تقصد إخوتها وكانوا سبعة، فقالت: إمَّا أن تُزوِّجوا كعبًا ميلاء، وإمَّا أن تغيِّبوها عني. فلما بلغه أن ذلك قد بلَغ إخوتها هرَب، فرمى بنفسه نحو الشام وترك الحجاز. وقال وهو بالشام:
أفي كُلِّ يومٍ أنتَ من بارح الهوىإلى الشُّمِّ من أعلامِ ميلاءَ ناظِرُ
فروى هذا البيت رجلٌ من أهل الشام. ثمَّ خرج يريد مكة، فمر على أم عمرو وأختها ميلاء، وقد ضلَّ الطريق، فسلَّم عليهما، وسألهما عن الطريق. فقالت أم عمرو: يا ميلاء! صفي له الطريق، فذكر الرجل لما سمعها تقول يا ميلاء:
أفي كل يومٍ أنت مِن بارح الهوىإلى الشُّمِّ من أعلامِ ميلاءَ ناظِرُ
فتمثَّل به فعرفت الشعر، فقالت: يا عبد الله! مِن أين أنت؟ قال: أنا رجلٌ من أهل الشام. فقالت: فمِن أين رويتَ هذا الشعر؟ قال: رويته عن أعرابي بالشام. قالت: أو تدري ما اسمه؟ قال: اسمه كعب. قال: فأقسمَتا عليه أن لا يبرح حتى يراك إخوتنا فيكرموك، ويدلُّوك على الطريق فقد أنعمتَ علينا. فقال: إنِّي لأروي له شعرًا آخر، فما أدري أتعرِفانه أم لا؟ فقالتا: نسألك بالله إلا أسمعتنا إياه؟ قال: سمعته يقول:
خليليَّ! قد رُزْتُ الأمور وقِستهابنفسي وبالفتيان كُلَّ مكانِ
فلم أُخفِ يومًا للرفيق ولم أجدخليًّا ولا ذا البثِّ يستويان
من الناس إنسانان دَيني عليهمامليَّان لولا الناس قد قَضَياني
منوعان ظلَّامان ما يُنصِفاننيبدلَّيهِما والحُسنِ قد خَلَبَاني
يُطيلانِ حتى يَحسب الناس أننيقُضيتُ ولا والله ما قَضَيان
خليليَّ! أما أمُّ عمرو فمنهماوأمَّا عَن الأخرى فلا تسلاني
بُلينا بهجرانٍ ولم يُرَ مثلُنامن الناس إنسانان يَهتجِران
أشدَّ مصافاةً وأبعد من قِلًىوأعصى لواشٍ حين يُكتنفان
يُبيِّنُ طرفانا الذي في نفوسناإذا استُعجمَت بالمنطق الشفتان
فوالله ما أدري أكُلُّ ذوي الهوىعلى شَكلِنا أم نحنُ مُبتلَيان
فلا تعجبا مما بي اليوم من هوًىففي كُلِّ يومٍ مثلُ ما تريان
خليليَّ! عن أي الذي كان بيننامن الوصلِ أو ماضي الهوى تَسَلانِ
وكُنَّا كريمي معشرٍ حُمَّ بينَناهوًى فحفظناهُ بحُسن صيانِ
نذود النفوسَ الحائمات عن الهوىوهُنَّ بأعناقٍ إليه ثَوانِ
سلاه بأمِّ العَمر منه، فقد برابه السقمُ لا يَخفى وطول ضَمان
فما زادَنا بُعد المدى نقضُ مَرَّةٍولا رجَعا من علمنا ببيان
خليليَّ! لا والله ما ليَ بالذيتُريدان من هجر الصَّديق يدان
ولا لي بالهجرِ اعتلاءٌ إذا بداكما أنتما بالبين مُعتَلَيَان
قال: فنزل الرجل وحطَّ رحله، حتى جاءت إخوتُهُما فأخبَرَتاهم الخبر، وكانتا مُهتمتَين بكعب؛ وذلك أنه كان ابن عمِّهم وكان ظريفًا شاعرًا، فأكرموا الرجل ودلُّوه على الطريق، وخرجوا فطلبوا كعبًا بالشام فوجدوه، فأقبلوا به، حتى إذا صار إلى بلدهم نزل كعب في بيتٍ ناحيةً من الحي، فرأى ناسًا قد اجتَمعوا عند البيوت، فقال كعب لغلام قائم، وكان قد ترك بنيًّا له صغيرًا: يا غلامُ من أبوك؟ قال: أبي كعب. قال: فعلامَ يجتمعُ هذا الناس؟ وأحس فؤادُ كعب بشرٍّ. قال: يجتمعون على خالتي ميلاء، ماتت الساعة. قال: فزفر زفرةً خرَّ منه ميِّتًا، فدُفن إلى جانب قبرِها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع