من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
الفتى الحج والجارية المكية
وجدت بخط أبي عمر بن حَيُّوَيْهِ يقول: حدَّثنا أبو بكر محمد بن المَرْزُبان، أخبرني أبو جعفر أحمد بن الحارث، حدَّثنا أبو الحسن المدايني عن بعض رجاله، قال: حجَّ ابن أبي العَنبس الثقفي، فجاور ومعه ابنُ ابنِه، وإلى جانبهم قومٌ من آل أبي الحكم مجاورون. وكان الفتى يجلسُ مجلسًا يُشرِفُ منه على جاريةٍ، فعَشِقها، فأرسل إليها فأجابته، فكان يأتيها يتحدَّثُ إليها. فلما أراد جَدُّه الرحيل جعل الفتى يبكي، فقال له جَدُّه: ما يُبكيك يا بنيَّ، لعلك ذكرتَ مصر؟ وكانوا من أهل مصر. فقال: نعم! وأنشأ يقول:
يُسائلني غداة البين جدِّيوقد بلَّت دموعُ العين نحري
أمِن جزعٍ بكيتَ ذكرتَ مصرًافقلت: نعم! وما بي ذكرُ مصرِ
ولكن للتي خلَّفتُ خَلْفيبكت عيني وقلَّ اليوم صبري
فمَن ذا إن هلكتُ وحان يومييخبِّرُ والدي دائي وأمري
فيَحفظ أهل مكة في هوائيوإن كانوا أتوا قتلى وضُرِّي
قال: وارتحلوا. فلما خرجوا عن أبيات مكة أنشأ يقول:
رحلُوا وكُلُّهُمُ يَحِن صبايةًشوقًا إلى مصرٍ وداري بالحَرَمْ
ليت الركاب غداةَ حان فراقُناكانت لحومًا قُسِّمَت فوق الوَضَم
راحوا سِراعًا يُعمِلون مَطيِّهمقُدُمًا وبِتُّ من الصبابة لم أنَم
طوبى لهم يبغون قصد سبيلِهموالقلب مُرتهنٌ ببيتِ أبي الحكم
ثمَّ إن الفتى اعتل، واشتدت علته، فلما وردوا أطراف الشام ماتَ فدفنه جده، ووجد عليه وَجدًا شديدًا، وقال يرثيه:
يا صاحب القبر الغريبِبالشام من طرفِ الكثيبِ
بالشعب بين صفائحصُمٍّ تُرَصَّفُ بالجُنوب
ما إن سمعتُ أنينهونداءه عند المغيب
أقبلتُ أطلبُ طِبَّهوالموتُ يَعضُلُ بالطبيب
والليلُ مُنسدِلُ الدجىوحش الجناب من الغُروب
هاجَت لذلك لوعةٌفي الصدر ظاهرةُ الدبيب
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع