من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
ذو الرُّمَّة ومي (٣)
أخبرنا محمد بن الحسين إجازةً إن لم يكن سماعًا، حدَّثنا المعافى بن زكريا، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله الأزدي، ومحمد بن القاسم الأنباري، قالا: حدَّثنا أحمد بن يحيى عن أبي زيد، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، حدَّثني أبو صالح الفزاري، قال: ذُكر ذو الرُّمَّة في مجلس فيه عِدَّةٌ من الأعراب، فقال عصمة بن مالك: شيخٌ منهم قد أتى لي مائة سنة، فقال: كان مِن أظرف الناس.
قال: كان آدم خفيف العارضين، حسن المنظر، حلو المنطق، وكان إذا أنشد بربر وحبس صوته، وإذا واجهك لم تسأم حديثه وكلامه.
وكان له إخوةٌ يقولون الشعر، منهم: مسعودٌ وهمامٌ وخِرواشٌ، فكانوا يقولون القصيدة فيزيد فيها الأبيات فيغلب عليها، فتذهب له. فأتى يومًا، فقال لي: يا عصمةُ! إن مَيَّة مِنقَريةٌ، وبنو مِنقَرَ أخبثُ حيٍّ، وأبصر بأثر وأعلمه بطريق، فهل عندك من ناقةٍ نزدارُ عليها مية؟ فقلت: نعم، عندي الجؤذر. قال: عليَّ بها.
وقفتُ على رسمٍ لميةَ ناقتيفما زِلتُ أبكي عنده وأُخاطبه
وأسقيه حتى كادَ مما أبُثُّهتُكلِّمُني أحجاره وملاعبه
حتى بلغت إلى قوله:
بكى وامقٌ جاء الفراقُ ولم يُجِلجوائلها أسراره ومعاتبُه
فقالت ظريفة ممن حضر: فليُجلِ الآن! فنظرتُ إليها حتى أتيتُ على القصيدة إلى قوله:
إذا سرحتْ من حُبِّ ميٍّ سوارِحٌعلى القلبِ آبتْه جميعًا عوازِبه
فقالت الظريفة منهن: قتلتْه قُتلت. فقالت مي: ما أصحَّه وهنيئًا له! فتنفَّس ذو الرُّمَّة نفسًا كاد من حرِّه يطير شعر وجهه، ومضيتُ في الشعر حتى أتيت على قوله:
وقد حلفَت بالله ميةُ ما الذيأقول لها إلا الذي أنا كاذبه
إذن فرماني الله من حيث لا أرىولا زال في داري عدوٌّ أحاربُه
فقالت الظريفة: قتلتِه، قتلك الله. فقالت مي: خَفْ عواقب الله يا غيلان! ثمَّ أتيت على الشعر حتى انتهيت إلى قولي:
إذا راجعتْكَ القولَ ميَّةُ أو بدالك الوجه منها أو نضا الدرع سالبُه
فيا لك من خدٍّ أسيلٍ ومنطقٍرخيمٍ، ومن خُلقٍ تعلَّل جاذِبُه
فقالت تلك الظريفة: ها هذه، وهذا القول، قد راجعتْك وقد واجهتها، فمن لك أن يَنضو الدرع سالبه؟ فالتفتت إليها مية، فقالت: قاتلَكِ الله ما أعظم ما تجيئين به! فتحدَّثنا ساعة ثمَّ قالت الظريفة: إن لهذَين شأنًا، فقُمن بنا! فقُمن وقمتُ معهنَّ، فجلستُ بحيث أراهُما، فجعلَت تقول له: كذبتَ. فلبث طويلًا ثمَّ أتاني ومعه قارورةٌ في دُهنٌ، فقال: هذا دهن طيِّبٍ أتحفتنا به ميَّة، وهذه قلادة للجؤذُر، والله لا أخرجتُها من يدي أبدًا. فكان يختلف إليها، حتى إذا انقضى الربيع ودعا الناس الصيف أتاني فقال: يا عصمة! قد رحلت مي، فلم يبقَ إلا الآثار، فاذهب بنا ننظر إلى آثارهم، فخرجنا حتى انتهينا، فوقف وقال:
ألا يا سلمى يا دار ميَّ على البلىولا زال مُنهَلًّا بجَرعائك القطرُ
فإن لم تكوني غير شامٍ بقفرةٍتجُرُّ بها الأذيال صيفيةٌ كُدرُ
فقلت له: ما بالك؟ فقال لي: يا عصمة! إنِّي لجَلْدٌ، وإن كان منِّي ما ترى. وكان آخر العهد به.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع