تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

المضل إبله والجارية الموجعة القلب

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، حدَّثنا إبراهيم بن محمد الطائفي، حدَّثني صقر بن محمد مولى قريش، حدَّثنا الأصمعي، قال: سمعتُ رجلًا من بني تميم يقول: أضلَلتُ إبلًا لي، فخرجتُ في طلبهن، فمررتُ بجارية أعشى نورُها بصري، فوقفتُ بها، فقالت: ما حاجتُك؟ قلت: إبلٌ لي أضلَلتُها، فهل عندكِ شيء من عِلمها؟ قالت: أفلا أدلُّك على من عنده عِلمُهنَّ؟ قلتُ: بلى! قالت: الذي أعطاكهن هو الذي أخذهنَّ، فاطلبهن منَّ طريق التيقُّن لا من طريق الاختيار. ثمَّ تبسَّمت، وتنفَّست الصُّعَدَاء، ثمَّ بكت وأطالت البكاء، وأنشأت تقول:

إنِّي وإن عَرَضَت أشياءُ تُضحِكُنيلموجَعُ القلبِ مطويٌّ على الحَزَنِ
إذا دجا الليل أحيا لي تذكُّرَهُوالصبح يبعثُ أشجانًا على شَجَنِ
وكيفَ ترقُدُ عَينٌ صار مؤنِسُهابين الترابِ وبين القبر والكَفَنِ
أبلى الثرى وتُرابُ الأرضِ جِدَّتَهُكأن صُورَتَه الحسناء لم تكُنِ
أبكي عَلَيهِ حَنينًا حين أذكُرُهُحنين والهةٍ حنَّت إلى وَطَنِ
أبكي على مَن حَنَت ظهري مُصيبَتُهُوطيَّر النوم عن عيني وأرَّقني
والله لا أنسَ حُبي الدهر ما سَجَعتْحَمَامَةٌ أو بكى طيرٌ على فَنَنِ

فقلت: عندما رأيتُ من جمالها وحسن وجهِها وفصاحتها وشدة جزعها: هل لكِ من بعلٍ لا تُذم خلائقه وتؤمنُ بوائقُه؟ فأطرقت مليًّا ثمَّ أنشأت تقول:

كُنَّا كغُصنَين في أصلٍ غذاؤهماماءُ الجداولِ في رَوْضَاتِ جَنَّاتِ
فاجتَثَّ خيرَهُما من جَنب صاحِبِهِدَهرٌ يَكُر بفَرْحَاتٍ وتَرْحَاتِ
وكان عاهَدَني إن خانَني زَمَنٌأن لا يُضاجعَ أُنثى بَعدَ مثواتي
وكُنتُ عاهدتُهُ أيضًا فعاجَلَهرَيبُ المَنُونِ قريبًا مُذ سُنيَّاتِ
فاصرِف عنانك عمَّن ليس يردعُهعَن الوفاء خِلابٌ في التحيَّاتِ

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.