من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
الرشيد والأعرابي
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدَّثنا المعافى بن زكريا، حدَّثنا أبو النضر العقيلي، حدَّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: بينا أنا جالس مع الرشيد على المائدة، إذ دخلَ الحاجب، فأعلمه أن بالباب أعرابيًّا عنده نصيحة، فأمر بإحضاره، فلما دخل أمرَه بالجلوس على المائدة ففعل، وكان له فصاحة وصباحة، فلمَّا تمَّ الغداء ورُفعت المائدة وجيء بالطست، غسلَ يده، ثمَّ أمر بالشراب فأُحضِر، فقال: يا أمير المؤمنين ما حالتي في اللِّباس؟ فاستملحَ هارونُ ذلك من فِعلِه، فأمر بثيابٍ حسنة، فطُرحَت عليه. وقال له: يا أعرابي من أينَ جئتَ؟ قال: من الكوفة. قال: أعربيٌّ أم مولى؟ قال: عربيٌّ. قال: فما الذي قصد بك إلينا وما نصيحتُك؟ قال: قصد بي إليك قلَّةُ المال وكثرةُ العيال، وأمَّا نصيحتي، فإني علمتُ أني لا أصلُ إليك إلا بها. قال: فأخذ إسحاق العودَ، فغنَّى صوتًا يشتهيه الرشيد ويطربُ عليه، وهو:
لَيسَ لي شافِعٌ إلَيــكَ سِوَى الدَّمعِ يَنفَعُ
عِشتَ بَعدي ومُتُّ قبــلَكَ، هَلْ فِيكَ مَطمَعُ
قِسَمُ الحُبِّ خَمسَةٌصارَ له مِنهُ أربَعُ
فإلى الله أشتكيكَبِدًا لي تقَطَّعُ
فقال الرشيد كالمازح: كيف ترى هذا يا أعرابي؟ قال: بئسَ والله ما غنَّى. فغضب من ذلك هاون وصعُبَ عليه. قال إسحاق: وسُقط في يدي. فقال هارون: وَيلَك يا أعرابي! هل يكونُ شيءٌ أحسن من هذا؟ قال: نعم يا أميرَ المؤمنين! قولي حينَ أقول:
لا وَحُبَّيك لا أُصافِحُ بالدَّمعِ مَدْمَعَا
مَن بكى شجوَهُ استرَاحَ وإنْ كانَ مُوجَعَا
كَبِدِي في هَواك أســقمُ مِن أن تُقطَّعا
لم تَدَع سَورَة الهوىللبِلى فيَّ مَطمَعَا
قال: فاستملحَ هارون ذلك منه، وأمر إسحاقَ أن يُغنِّيَه به شهرًا لا يقطعُه عنه، وأمر للأعرابي بعشرة آلاف درهم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع