من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
ليلى ومجنونها (٢)
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التَّنُوخِي بقراءتي عليه، قلت له: أخبركم أبو عمر محمد بن العباس، حدَّثنا محمد بن خلف بن المَرْزُبان، أخبرني أبو محمد البلخي، أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه عن ابن دأب، حدَّثني رجلٌ من بني عامر يُقال له رباح بن حبيب، قال: كان في بني عامر من بني الحُرَيش جارية من أجمل النساء وأحسنهن لها عقلٌ وأدب، يُقال لها ليلى ابنةُ مهدي بن ربيعة بن الحُريش، فبلغَ المجنونَ خبرُها، وما هي عليه من الجمال والعقل، وكان صبًّا بمحادثة النساء، فعمد إلى أحسن ثيابه، فلبسها وتهيَّأ بأحسن هيئة، وركبَ ناقةً له كريمةً، وأتاها، فلما جلس إليها، وتحدَّث بين يديها أعجبَته ووقعت بقلبه، فظلَّ يومه يُحدِّثُها وتُحدِّثُه، حتى أمسى وانصرف إلى أهله، فباتَ بأطول ليلة، حتى إذا أصبحَ مضى إليها فلم يزَل عندها حتى أمسى، ثمَّ انصرَفَ، فبات بأطولِ ليلةٍ من ليلته الأولى، وجَهَد أن يُغمضَ، فلم يقدر على ذلك، وأنشأ يقول:
نهاري نهارُ الناسِ حتى إذا بدالي الليلُ هزَّتني إليكِ المضاجِعُ
أُقضِّي نهاريِ بالحديثِ وبالمنىويجمَعُني والهمَّ بالليلِ جامِعُ
وأدام زيارتها، وترك إتيانَ كُلَّ من كان يأتيه فيتحدَّث إليه بغيرها، وكان يأتيها كُلَّ يومٍ، فلا يزالُ عندها نهاره أجمعَ، حتى إذا أمسى انصرَفَ، وإنه خرج ذات يومٍ يريدُ زيارَتَها، فلما قرُبَ من منزِلِها لَقيتْه جارية حاسرَةٌ عسراء، فتطيَّر من لقائها، فأنشأ يقول:
وكيف تُرجِّي وَصلَ ليلى، وقد جرىبجدِّ القُوى في الناس أعسَرُ حاسِرُ
صريعُ العصا جَذبُ الزِّمام إذا انتَحىلوصلِ امرئٍ لم تُقضَ منه الأواصرُ
ثمَّ صار إليها في غدٍ، فلم يزَل عندها، فلما رأت ليلى ذلك منه، وقعَ في قلبها مثلُ الذي وقعَ لها في قلبه، فجاءها يومًا كما كان يجيء، فأقبل يحدِّثُها وجعلت هي تُعرِضُ عنه بوجهها، وتُقبلُ على غيرِه تُريدُ أن تَمتحنه، وتعلمَ ما لها في قلبه، فلمَّا رأى ذلك منها اشتدَّ عليه وجزَع، حتى عُرفَ ذلك فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمُشيرة إليه فقالت:
كِلانَا مُظهِرٌ للناسِ بُغضًاوكُلٌّ عندَ صاحبه مَكينُ
فسُرِّيَ عنه، وعلم ما في قلبها، وقالت له: إنَّما أردتُ أن أمتحنَك، والذي لك عندي أكثرُ من الذي لي عندك، وأنا مُعطيةٌ الله عهدًا إن أنا جالستُ بعد يومي هذا رجلًا سواك حتى أذوقَ الموت، إلا أن أكرَهَ على ذلك.
قال: فانصرَفَ في عشيَّته وهو أسرُّ الناس بما سمعَ منها، فأنشأ يقول:
أظُنُّ هَوَاهَا تارِكي بمَضَلَّةٍمن الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
ولا أحدٌ أقضي إلَيهِ وَصيَّتيولا وارِثٌ إلا المَطيَّةُ والرَّحلُ
محا حُبُّها حبَّ الأولى كنَّ قبلَهاوحلَّت مكانًا لم يكن حُلَّ من قبلُ
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع